أعلنت نيوم في نوفمبر 2024 مغادرة رئيسها التنفيذي نظمي النصر الذي قاد المشروع العملاق منذ 2018 وتعيين أيمن المديفر رئيسا تنفيذيا بالإنابة قادما من صندوق الاستثمارات العامة، من دون إعلان سبب رسمي، في خطوة جاءت وسط تقارير صحفية دولية عن أسلوب إدارة قاس وتجاوزات في التكاليف وتقليص جذري لطموحات مدينة «ذا لاين».
كان النصر، المهندس الكيميائي المخضرم القادم من أرامكو، الوجه التنفيذي الأبرز لنيوم التي قدرت كلفتها المعلنة بنحو 500 مليار دولار قبل أن تتحدث تقارير عن أرقام أعلى بكثير. وتحت قيادته تحول المشروع إلى أكبر ورشة بناء في العالم بمشاريع مثل ذا لاين وأوكساغون وتروجينا، بينما تراكمت التقارير عن صعوبة تحقيق الجداول الزمنية الطموحة.
ونشرت صحيفة وول ستريت جورنال تحقيقات عن اجتماعات داخلية نسبت فيها للنصر عبارات صادمة عن قيادة الجميع بقسوة والاحتفال بسقوطهم، وتهديدات لمسؤولي اتصال، وهي روايات لم يؤكدها النصر علنا. كما سلط فيلم وثائقي بريطاني الضوء على أوضاع العمالة الوافدة في مشاريع رؤية 2030 عموما وذكر أرقاما كبيرة لوفيات العمال، وهو ما نفته السلطات السعودية ووصفته بالتضليل مؤكدة أن معدلات الوفيات المهنية لديها ضمن الأدنى عالميا.
وتزامن الرحيل مع تقارير عن تقليص المرحلة الأولى من ذا لاين، المدينة الخطية التي كان مخططا أن تمتد 170 كيلومترا وتسكن ملايين البشر، إلى جزء صغير من ذلك الطول في الأجل المنظور، ومع حديث مسؤولين ماليين سعوديين لاحقا عن أن أفق استكمال نيوم كاملة قد يمتد لعقود طويلة، ما عزز انطباع دخول المشروع مرحلة إعادة ضبط شاملة للطموحات.
وقرأ مراقبون في اختيار خلف قادم من ذراع الصندوق العقارية إشارة إلى تشديد قبضة صندوق الاستثمارات العامة على إدارة المشروع ومرحلة جديدة عنوانها الانضباط التنفيذي والمالي أكثر من الإبهار الإعلامي. أما بيان نيوم الرسمي فاكتفى بالحديث عن دخول مرحلة جديدة من التسليم وضمان الاستمرارية والكفاءة التشغيلية.
وكان النصر ثاني رئيس تنفيذي يغادر نيوم بعد الألماني كلاوس كلاينفيلد، الذي خرج هو الآخر وسط جدل حول أتعاب ومصروفات، لتصبح قيادة المشروع نفسها قصة متكررة عن صعوبة إدارة أكبر مشروع عمراني تجريبي في التاريخ الحديث بفرق عالمية متنقلة وطموحات تتجاوز أي سابقة هندسية.
وتبقى مغادرة النصر لحظة فارقة في قصة نيوم، إذ لم تعد الأسئلة تدور حول شكل مدينة المستقبل فحسب، بل حول كلفتها البشرية والإدارية والمالية وجدواها الزمنية، وحول ما إذا كانت إعادة الضبط الحالية بداية نضج للمشروع أم اعترافا ضمنيا بأن النسخة الأولى من الحلم كانت أكبر من الواقع.
ويجمع خبراء إدارة المشاريع العملاقة على أن مشكلة نيوم لم تكن يوما شخصا واحدا، بل معادلة شبه مستحيلة بين طموح بلا سقف وجدول زمني سياسي ضاغط وجغرافيا صحراوية قاسية وسلاسل إمداد عالمية مضطربة. ومع ذلك، فإن رحيل رئيس تنفيذي بهذا الحضور من دون تفسير رسمي يظل رسالة بحد ذاته، مفادها أن مرحلة الوفرة المفتوحة انتهت وأن لغة الأرقام والمراحل القابلة للقياس ستتقدم من هنا فصاعدا على لغة الرؤى الكبرى والعروض المبهرة التي أطلقت المشروع إلى العالم أول مرة.