كشفت وكالة رويترز مطلع أكتوبر 2026 أن السعودية «جمّدت بهدوء» خطط بناء ملعب نيوم، الذي كان مقرراً أن يستضيف مباريات كأس العالم 2034، لتنضم هذه الخطوة إلى سلسلة الانتكاسات المتتالية التي يتعرض لها مشروع المدينة المستقبلية العملاق. ونقلت الوكالة عن مصدرين أن خطط بناء الملعب «جُمّدت إلى أجل غير مسمى»، من دون أن يتضح ما إذا كان سيتم بناء ملعب بديل أم ستُقام البطولة في 14 ملعباً بدلاً من 15.
وكان ملعب نيوم، بسعة 46 ألف متفرج، أحد أبرز مفاجآت ملف الترشح السعودي للمونديال، إذ وُصف بأنه «الملعب الأكثر تميزاً في العالم»، وكان مقرراً أن يُبنى على ارتفاع 350 متراً فوق سطح الأرض ضمن مدينة «ذا لاين» الخطية، قلب مشروع نيوم الأوسع. وكانت المملكة تخطط لبناء وتجديد 15 ملعباً في أربع مدن هي الرياض وجدة والخبر وأبها إضافة إلى نيوم، منها 11 ملعباً جديداً وأربعة قائمة ستُجدد أو تُوسّع. ورداً على استفسارات رويترز، قالت «الهيئة العليا لاستضافة كأس العالم 2034» إن «التسليم الجوهري» لمنشآت البطولة جارٍ على قدم وساق، من دون التطرق مباشرة إلى مصير ملعب نيوم.
وتأتي هذه الخطوة في سياق مراجعة شاملة يشهدها مشروع نيوم منذ رحيل رئيسه التنفيذي نظمي النصر في 2024 بعد سلسلة تأخيرات وجدالات، كان أبرزها الإطلاق الباهت لمنتجع «سندالة» لليخوت الذي لم يرقَ لتوقعات ولي العهد. وتولى أيمن المديفر، القادم من صندوق الاستثمارات العامة، قيادة المشروع متعهداً بكبح الإنفاق المفرط وإعادة هيكلة الأولويات. ونقلت صحيفة فايننشال تايمز عن مصادر أن مدينة «ذا لاين»، التي كان مقرراً أن تمتد 170 كيلومتراً بتكلفة تقترب من تريليون دولار، ستُقلّص «بشكل جذري» وقد تتحول إلى مركز لمراكز البيانات ضمن مساعي المملكة لتصبح قائدة عالمية في الذكاء الاصطناعي.
كما أفادت تقارير بأن فنادق «ماغما» الجماعية أُوقفت أعمالها، وأن منتجع «تروجينا» للتزلج، الذي كان مقرراً أن يستضيف دورة الألعاب الآسيوية الشتوية 2029، لن يكون مقراً لها بعد الآن مع تأجيل الدورة إلى أجل غير مسمى. وأشار موقع سيمافور إلى أن نيوم سرّحت مئات الموظفين من أصل 6 آلاف خلال الأشهر الماضية، مع توقعات بمزيد من التسريحات.
ويُنظر إلى تجميد الملعب المونديالي بوصفه إشارة جديدة إلى تحول الرياض من الطموحات «الخيالية» إلى التنفيذ المرحلي المستدام تجارياً، وهو ما عبّر عنه صندوق الاستثمارات العامة المالك للمشروع بالحديث عن «التنفيذ المرحلي والاستدامة التجارية». لكن منتقدين داخل المملكة وخارجها يرون في هذه التراجعات تأكيداً لتحذيراتهم المبكرة من أن بعض جوانب نيوم كانت ضرباً من الخيال وعرّضت البلاد للسخرية بين المستثمرين الأجانب، فيما تدافع الحكومة بأن المشروع طويل الأمد ومصمم بشكل وحداتي يسمح بالتكيّف مع الواقع الاقتصادي.
أُطلق مشروع نيوم عام 2017 كأضخم مشاريع رؤية 2030، بمساحة 26,500 كيلومتر مربع في منطقة تبوك شمال غرب المملكة، وبطموح استيعاب نحو تسعة ملايين نسمة في مدن مستقبلية تعتمد على الطاقة النظيفة والتقنيات الذكية. ويملك المشروع صندوق الاستثمارات العامة الذي يدير أصولاً تقترب من تريليون دولار، ما جعله رهان المملكة الأكبر على التنويع الاقتصادي بعيداً عن النفط.
لكن المشروع دخل منذ 2024 مرحلة اضطراب قيادي؛ إذ غادر الرئيس التنفيذي نظمي النصر منصبه بعد سنوات من التأخيرات والجدل، وسط تقارير عن أسلوب إدارة مثير للانقسام، وكان القشة الأخيرة الإطلاق الباهت لمنتجع «سندالة» لليخوت الذي لم يرقَ لتوقعات ولي العهد. وتولى أيمن المديفر، القادم من صندوق الاستثمارات العامة، المهمة متعهداً بكبح الإنفاق المفرط وإعادة هيكلة الأولويات، وهو ما تُرجم عملياً إلى مراجعة شاملة ما زالت تلقي بظلالها على كل مكونات المشروع.
وتتقاطع أزمة الملعب مع الاستعدادات السعودية لكأس العالم 2034، التي ستكون الأولى في التاريخ بنظام 48 منتخباً وتستضيفها المملكة منفردة. وكان الملف السعودي قد وعد بـ15 ملعباً في خمس مدن، منها 11 ملعباً جديداً، وكان ملعب نيوم المعلق على ارتفاع 350 متراً أيقونة الملف المعمارية. والآن، مع تجميده «إلى أجل غير مسمى»، يبرز سؤال مفتوح: هل ستبني المملكة ملعباً بديلاً في مدينة أخرى، أم ستكتفي بـ14 ملعباً؟ واكتفت «الهيئة العليا لاستضافة كأس العالم 2034» بالقول إن «التسليم الجوهري» للمنشآت جارٍ، من دون حسم مصير الملعب المفقود.
ويرى مؤيدو المراجعة أنها تصحيح ضروري لمشروع ابتلع مئات المليارات بطموحات وُصفت بـ«الخيالية»، وأن التركيز على التنفيذ المرحلي والجدوى التجارية سيحمي المشروع من الانهيار المالي. في المقابل، يحذر منتقدون من أن التراجعات المتتالية تضعف مصداقية المملكة أمام المستثمرين العالميين الذين دُعوا للمراهنة على «المستقبل»، لتتحول نيوم من قصة نجاح مُسوَّقة عالمياً إلى دراسة حالة في مخاطر الطموح غير المحسوب.
وكان ملعب نيوم المزمع من أكثر المشاريع المعمارية إثارة للخيال في ملف المونديال؛ ففكرة ملعب يتسع لـ46 ألف متفرج معلق على ارتفاع 350 متراً فوق سطح الأرض ضمن مدينة خطية مستقبلية، بدت وكأنها خارجة من أفلام الخيال العلمي. وقد استُخدمت صوره الترويجية بكثافة في حملة الترشيح السعودي لإبهار العالم، ما يجعل تجميده «بهدوء» — على حد وصف رويترز — إقراراً ضمنياً بأن بعض وعود الملف كانت سابقة لأوانها بكثير.
أما على صعيد البطولة نفسها، فالخيارات المطروحة محدودة؛ فإما أن تبني المملكة ملعباً بديلاً في مدينة أخرى من المدن المستضيفة (الرياض وجدة والخبر وأبها)، وهو ما يتطلب سنوات من التخطيط والتنفيذ قبل 2034، أو أن تُقام البطولة في 14 ملعباً بدلاً من 15، وهو ما قد يثير تساؤلات لدى الاتحاد الدولي لكرة القدم حول الالتزام بمتطلبات الاستضافة. واكتفت «الهيئة العليا لاستضافة كأس العالم 2034» بالتأكيد على أن «التسليم الجوهري» للمنشآت جارٍ على قدم وساق، من دون حسم أي من السيناريوهين.
ويرى محللون أن قصة ملعب نيوم تلخص مأزق المشاريع العملاقة في المملكة: طموحات معمارية غير مسبوقة تصطدم بواقع التكلفة والجدوى، في وقت تتزاحم فيه الالتزامات المالية بين إكسبو 2030 والمونديال 2034 ومشاريع الرؤية الأخرى. فهل تنجح الرياض في إعادة ضبط طموحاتها دون أن تفقد بريقها العالمي؟ الإجابة ستتكشف مع كل إعلان جديد عن «تجميد» أو «تأجيل» أو «إعادة هيكلة».
وتتزامن أزمة الملعب مع سباق المملكة المحموم ضد الزمن؛ فكأس العالم 2034 على الأبواب نسبياً بمقاييس المشاريع العملاقة، وكل تأخير اليوم يعني ضغطاً مضاعفاً غداً. ويرى متفائلون أن «التسليم الجوهري» الذي تتحدث عنه الهيئة العليا للاستضافة يشمل بدائل مدروسة، وأن المملكة التي أنجزت مشاريع عملاقة في سنوات قليلة قادرة على تعويض ملعب واحد. بينما يحذر آخرون من أن سلسلة «التجميد بهدوء» — من ذا لاين إلى الملعب — تكشف عن فجوة بين الوعود والقدرات. وبين الرأيين، يبقى المؤكد أن العالم سيراقب: فالمونديال السعودي إما أن يكون أعظم بطولة في التاريخ، أو درساً في مخاطر المبالغة بالوعود.