دانت المحكمة الجنائية الفيدرالية السويسرية طارق عبيد، الرئيس التنفيذي لشركة «بتروسعودي» السعودية، بالسجن سبع سنوات، ومساعده باتريك ماهوني بالسجن ست سنوات، في قضية احتيال وغسل أموال سُرقت عبرها 1.8 مليار دولار على الأقل من صندوق الثروة السيادية الماليزي 1MDB، مع إلزامهما بدفع ملياري دولار تعويضات.
وقضت المحكمة بسجن طارق عبيد، الرئيس التنفيذي للشركة والحامل للجنسيتين السعودية والسويسرية، سبع سنوات، فيما حُكم على مساعده البريطاني-السويسري باتريك ماهوني بالسجن ست سنوات. وكان الادعاء العام السويسري قد طالب بعقوبات أشد، بلغت عشر سنوات لعبيد وتسع سنوات لماهوني، لكن المحكمة اكتفت بالأحكام الصادرة مع إلزامهما بدفع ملياري دولار، بالإضافة إلى الفوائد، لصندوق الثروة السيادية الماليزي «ماليزيا دفيلوبمنت بيرهاد 1» المعروف اختصاراً باسم 1MDB، إلى جانب رسوم قضائية أخرى.
وتعود وقائع القضية إلى عام 2009، حين أسس المديران التنفيذيان، بالتعاون مع مستشار رئيس الوزراء الماليزي آنذاك نجيب رزاق، مشروعاً مشتركاً مع صندوق 1MDB، بُني جزئياً على مزاعم كاذبة بأن شركة «بتروسعودي» تمتلك حق الوصول إلى حقول نفطية في الأرجنتين وتركمانستان، ما دفع الصندوق الماليزي إلى ضخ الأموال في المشروع على مدار ست سنوات. ووفقاً لوكالة بلومبرغ، قال الصندوق في بيان مطالبته إنه جرى تضليله للاعتقاد بأن ملكاً سعودياً يمتلك شركة «بتروسعودي»، وهو ما دفعه للموافقة على الشراكة.
وخلال جلسات المحاكمة في أبريل الماضي، شنت المدعية العامة أليس دو شامبرييه هجوماً لاذعاً على المدانين، واصفة إياهما بأنهما «متلاعبين ماكرين ومتعجرفين، لا يملكان أي وازع، وجشعين جشعاً فاحشاً»، بحسب ما نقلته صحيفة «لو تيمب» السويسرية عن مجريات المحاكمة. كما كشفت التحقيقات أن جانباً من الأموال المسروقة وجد طريقه إلى هوليوود، إذ مولت حفلات باذخة ويختاً فاخراً وعقارات فاخرة، بل وحتى فيلم «ذئب وول ستريت» الذي صدر عام 2013.
من جانبه، اختار الصندوق الماليزي شركة محاماة مقرها المملكة المتحدة لتولي الدعوى المدنية المرفوعة أمام المحكمة العليا في كوالالمبور في 7 مايو الماضي، في إطار مساعيه لاسترداد الأموال المنهوبة. ويُنظر إلى الحكم السويسري على أنه محطة مفصلية في ملاحقة المتورطين في فضيحة 1MDB التي هزت ماليزيا والعالم، وأطاحت برئيس وزرائها السابق نجيب رزاق، فيما لا تزال تداعياتها القضائية والمالية مستمرة في عدة دول.
وتعود جذور الفضيحة إلى تأسيس صندوق «1MDB» عام 2009 كصندوق ثروة سيادية ماليزي، قبل أن يتحول إلى أكبر فضيحة فساد مالي في آسيا، أطاحت برئيس الوزراء آنذاك نجيب رزاق الذي أدين وسُجن، بينما لا يزال الممول الهارب جو لو فاراً من العدالة. وتقدر الخسائر الإجمالية للصندوق بعدة مليارات من الدولارات، وطالت التحقيقات بنوكاً عالمية ومسؤولين في عدة دول، في ملف لا يزال مفتوحاً أمام القضاء في أكثر من عاصمة.
أما شركة «بتروسعودي» فقد تأسست في جنيف عام 2005 على يد طارق عبيد، وقدمت نفسها كشركة استثمار نفطي سعودية خاصة، مستفيدة من الغموض الذي أحاط بهوية مالكيها الحقيقيين وعلاقات مؤسسها. وبدأت السلطات السويسرية تحقيقاتها في الملف قبل سنوات، ضمن ملاحقة أوسع لشبكة غسل الأموال المرتبطة بالصندوق الماليزي، والتي مرت عبر مصارف وشركات وهمية في عدة دول.
ويرى مراقبون أن الحكم السويسري يعزز مصداقية القضاء في ملاحقة الجرائم المالية العابرة للحدود، ويوجه رسالة واضحة لرجال الأعمال في المنطقة بأن الحصانات المفترضة لا تصمد أمام الأدلة الدامغة. كما يفتح الباب أمام دعاوى استرداد إضافية قد تطال أصولاً في عدة دول، في وقت تسعى فيه ماليزيا جاهدة لاستعادة ما سُرق من صندوقها السيادي.
واستغرقت الإجراءات القضائية السويسرية سنوات من التحقيقات المعقدة، تخللتها جلسات استماع في أبريل الماضي كشفت عن حجم التلاعب في الوثائق والحسابات البنكية. ونقلت صحيفة «لو تيمب» السويسرية عن المدعية العامة وصفها للمتهمين خلال المرافعات بأقسى العبارات، في محاكمة تابعتها وسائل إعلام دولية باهتمام كبير. ولم تعلن فرق الدفاع بعد عن خطوتها التالية، فيما يرى قانونيون أن الحكم — رغم أنه أقل من طلب الادعاء — يمثل إدانة قاسية بالنظر إلى الغرامة المالية الضخمة المرافقة له، والتي تهدف عملياً إلى تجريد المدانين من عائدات الجريمة.
وتجدر الإشارة إلى أن فضيحة الصندوق الماليزي كانت من أضخم قضايا الفساد المالي في التاريخ الحديث، إذ امتدت خيوطها إلى بنوك استثمارية عالمية كبرى دفعت غرامات بمليارات الدولارات لتسوية التهم الموجهة إليها. ويُنظر إلى الحكم السويسري الأخير على أنه استكمال لحلقات المساءلة التي بدأت بسقوط الحكومة الماليزية السابقة، ورسالة بأن العدالة — وإن تأخرت — تصل في النهاية إلى كبار المتورطين مهما تنوعت جنسياتهم ومواقعهم.