تعد قضية المساهمات العقارية المتعثرة واحدة من أطول الملفات الشائكة في السوق العقارية السعودية، حيث نظرت اللجنة المشكلة لمعالجتها 331 مساهمة عقارية، منها 44 مساهمة مرخصة و278 مساهمة غير مرخصة، في أرقام تكشف حجم الفوضى التي سادت هذا القطاع لعقود.
وبحسب ما أعلنته اللجنة، تمت تصفية 91 مساهمة تحت إشرافها، وإسناد 50 مساهمة لعدد من المصفين القانونيين على ثلاث مراحل، بينما أصدرت اللجنة نحو 102 قرار ضد أصحاب المساهمات المتعثرة، شملت المنع من السفر وإيقاف كافة الخدمات. كما طبقت الحجز التحفظي على الممتلكات المنقولة وغير المنقولة والحسابات البنكية والمحافظ الاستثمارية لعدد 22 صاحب مساهمة، وتم إلقاء القبض على شخصين بناء على طلب اللجنة.
وسجلت مدينة الرياض أعلى نسبة في المساهمات المتعثرة بحجم بلغ 1277 مليون ريال، تلتها جدة بـ539 مليوناً، ومكة المكرمة بـ466 مليوناً، والمدينة المنورة بـ322 مليوناً، في خريطة توزع تكشف أن الظاهرة طالت معظم مناطق المملكة. ومن أبرز الملفات: مساهمة الشرفة التي صدر فيها حكم من المحكمة العامة بالرياض ببيع العقار المرهون لصالح المساهمين، ومساهمة المنيرة التي أُلغيت صكوكها بأوامر سامية، ومساهمتا نيو جدة وسلطانة البحر في أرض الخمرة جنوب جدة التي صدرت قرارات بنقض صكوكها.
وتمثل هذه المساهمات، التي جمعت أموال صغار المستثمرين بوعود أرباح خيالية قبل أن تتعثر لسنوات، جرحاً غائراً في ثقة السوق العقارية السعودية. ويُحسب للجنة أنها أعادت حقوق آلاف المساهمين عبر التصفية القضائية، لكن بطء الإجراءات وتعقيد الملفات جعلا بعض القضايا عالقة لأكثر من عقد.
ويرى مراقبون أن ملف المساهمات المتعثرة كان درساً قاسياً دفع الجهات التنظيمية لاحقاً إلى تشديد الرقابة على الطرح العقاري، وصولاً إلى الأنظمة الحديثة التي تفرض حسابات بنكية مستقلة لكل مشروع وتمنع الإعلان قبل استيفاء التراخيص، لضمان عدم تكرار سيناريو تبخر مدخرات المواطنين في مساهمات وهمية.
وشُكلت اللجنة بأوامر سامية لمنحها صلاحيات واسعة، شملت تكليف مكاتب المحاسبين القانونيين بإعداد مراكز مالية لكل مساهمة، وإسناد المساهمات المتعثرة لمصفين قانونيين، وإحالة المتحايلين أو غير المتجاوبين إلى الجهات القضائية المختصة. كما أحالت اللجنة عدداً من المساهمات التي تبين أنها تندرج ضمن تعريف توظيف الأموال إلى جهات الاختصاص، في تمييز مهم بين التعثر الاستثماري والاحتيال المالي المنظم. ورغم مرور سنوات على بدء أعمالها، لا تزال بعض الملفات عالقة بسبب تشابك الصكوك والنزاعات القضائية المتداخلة، ما يجعل ملف المساهمات المتعثرة شاهداً حياً على كلفة غياب التنظيم في الأسواق الناشئة، وعلى أهمية الإصلاحات التنظيمية التي لحقت به لاحقاً.