استيقظت العاصمة البلجيكية بروكسل في ديسمبر 2022 على واحدة من أكبر فضائح الفساد في تاريخ المؤسسات الأوروبية، عندما نفذت الشرطة البلجيكية مداهمات واسعة طالت مقار البرلمان الأوروبي ومنازل عدد من نوابه ومساعديهم، في تحقيق عُرف إعلاميا باسم «قطر غيت».
وبحسب الادعاء البلجيكي، اشتبه المحققون في أن دولة خليجية سعت على مدى أشهر للتأثير على القرارات الاقتصادية والسياسية للبرلمان الأوروبي، عبر دفع مبالغ مالية ضخمة أو تقديم هدايا سخية لأطراف تتمتع بمواقع سياسية واستراتيجية مؤثرة داخل البرلمان. وسرعان ما كشفت وسائل إعلام بلجيكية، نقلا عن مصادر وصفتها بالمطلعة، أن الدولة المقصودة هي قطر، وهو ما نفته الدوحة جملة وتفصيلا، مؤكدة أنها ليست على علم بأي تحقيق وأن ادعاءات سوء السلوك «مضللة بشدة».
وكانت المفاجأة الكبرى اعتقال إيفا كايلي، نائبة رئيس البرلمان الأوروبي والبرلمانية اليونانية عن الحزب الاشتراكي، بعد العثور على مبالغ نقدية في منزلها. وطالت الاعتقالات كلا من النائب الأوروبي السابق أنطونيو بانزيري، الذي عُثر في منزله على 600 ألف يورو نقدا، وفرانشيسكو جيورجي شريك كايلي ومستشار برلماني، ووالد كايلي الذي أُوقف وبحوزته حقيبة مليئة بالأوراق النقدية، والأمين العام للاتحاد الدولي للنقابات لوكا فيسينتيني، وآخرين. وبلغ إجمالي المبالغ النقدية المضبوطة في المداهمات نحو 1.5 مليون يورو، إلى جانب حواسيب وهواتف.
ووجهت للمتهمين تهم الفساد وغسيل الأموال والانتماء لمنظمة إجرامية. وسارعت الكتل البرلمانية إلى إعلان «عدم التسامح إطلاقا» مع الفساد، وصوتت الجلسة العامة للبرلمان على عزل كايلي من منصب نائبة الرئيس. من جانبه، قال محامي كايلي إن موكلته لم تكن تعلم بوجود هذه الأموال، وأن شريكها وحده يملك الإجابات حول مصدرها.
وأثارت الفضيحة عاصفة سياسية وإعلامية في أوروبا، دفعت رئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا ميتسولا إلى طرح خطة إصلاح من 14 نقطة لتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد داخل المؤسسة. كما امتدت التحقيقات لاحقا لتشمل شبهات حول دولة خليجية أخرى، في ما عُرف إعلاميا بـ«موروكو غيت».
وبعد أشهر من الاعتقال، أُفرج عن كايلي ووُضعت تحت الإقامة الجبرية بانتظار المحاكمة، بينما بقيت القضية مفتوحة أمام القضاء البلجيكي. وتبقى «قطر غيت» واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل حول النفوذ المالي للدول في أروقة القرار الأوروبي، وحول الثمن السياسي للدبلوماسية الناعمة التي تمارسها الدول الصغيرة الطموحة.