تحوّل اللاعب الفرنسي-الجزائري زهير بلونيس إلى رمز عالمي لمعاناة العمالة الأجنبية في قطر، بعدما عاش 19 شهراً «رهينة» في الدوحة، ممنوعاً من مغادرة البلاد ومحروماً من رؤية عائلته، بسبب نزاع على أجور متأخرة مع ناديه — في قضية هزت أروقة الفيفا ووصلت إلى قصر الإليزيه.
بدأت مأساة بلونيس عندما رفض نادي الجيش القطري دفع مستحقاته المالية، فلجأ اللاعب إلى القضاء. لكن بموجب نظام الكفالة المعمول به آنذاك، لم يكن بإمكانه مغادرة قطر دون إذن كفيله — أي النادي نفسه الذي يقاضيه. وهكذا وجد لاعب كرة قدم محترف نفسه عالقاً في بلد غريب، بلا دخل وبلا مخرج، بينما كانت عائلته تنتظره في فرنسا.
وفي رسالة مفتوحة مؤثرة نشرها عام 2013، وصف بلونيس معاناته النفسية والمادية، لتتحول قضيته إلى قضية رأي عام دولي. وتدفقت عليه رسائل التضامن من زوايا غير متوقعة: رجل أعمال قطري دفع إيجار شقته لثلاثة أشهر دون الكشف عن هويته بعد قراءة الرسالة، وكان زميله السابق عبد السلام وادو — المغربي الذي عاش تجربة مماثلة — يزوره كل يوم جمعة حاملاً الخبز الطازج وكلمات المواساة.
وقال وادو لشبكة «سي إن إن» آنذاك: «أنا سعيد جداً لزهير، لكن النصر الحقيقي سيكون عندما ينتهي نظام الكفالة. إذا لم يغيّروا الكفالة، فعليهم تغيير مكان كأس العالم». كما التقى بلونيس رئيس الفيفا آنذاك سيب بلاتر في زيورخ في مارس 2014، لكن اللقاء لم يثمر سوى عن «تعاطف» دون مساعدة عملية، على حد وصف اللاعب الذي قال: «لقد دمروني.. كنت مكتئباً».
وبلغت الضغوط ذروتها عندما أثار الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند القضية خلال لقاء ثنائي مع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، بينما توقعت الكونفدرالية الدولية للنقابات آلاف الوفيات بين العمال المهاجرين قبل المونديال إذا لم تُصلح الأوضاع. وأصرت السلطات القطرية على أن اللاعب يستطيع المغادرة «في أي وقت» إذا سحب دعواه القضائية — وهو ما رفضه خشية إضاعة أي فرصة لاسترداد مستحقاته.
وخلال أشهر الاحتجاز، تحوّل بلونيس إلى مادة دسمة للصحافة الفرنسية والعالمية، التي قدّمته كوجه إنساني لأزمة العمالة المهاجرة في قطر — أزمة وثّقتها تقارير عن وفيات وظروف عمل قاسية في مشاريع المونديال. وكان تضامن لاعبين سابقين — كوادو الذي عاش التجربة نفسها — أقوى من أي بيان رسمي.
وعندما غادر الدوحة أخيراً في نوفمبر 2013، لم يكن قد استرد كامل مستحقاته، لكنه استرد حريته. وبقيت قصته مرجعاً يُستشهد به كلما نوقشت إصلاحات سوق العمل القطرية اللاحقة: دليل على أن نظام الكفالة لم يكن مجرد إجراء إداري، بل أداة احتجاز فعلية بيد أصحاب العمل — وأن تفكيكه كان ضرورة إنسانية قبل أن يكون مطلباً دولياً.
وفي نوفمبر 2013، وبعد ضغوط إعلامية ودبلوماسية هائلة خشيت الدوحة أن تتحول إلى كارثة علاقات عامة قبل المونديال، غادر بلونيس قطر أخيراً. وبقيت قصته شاهداً حياً على الوجه المظلم لنظام الكفالة، وأحد الملفات التي أجبرت قطر لاحقاً على إدخال إصلاحات عمالية — وإن رأى منتقدون أنها جاءت متأخرة وغير كافية.