بعد سنوات من واحدة من أشهر وأكبر حروب القرصنة التلفزيونية في العالم، أسدل الستار على النزاع بين قطر والسعودية حول قناة «بي آوت كيو» القرصنة، التي سرقت لسنوات البث الحصري لشبكة «بي إن سبورتس» القطرية، في قضية كلفت أطرافها مئات الملايين وبلغت أروقة منظمة التجارة العالمية.
بدأت القصة عام 2017، مع اندلاع الأزمة الدبلوماسية الخليجية ومقاطعة السعودية وحلفائها لقطر. وفي ذروة المقاطعة، مُنعت شبكة «بي إن» القطرية من التوزيع في السعودية، وبالتوازي ظهرت خدمة قرصنة تُدعى «بي آوت كيو» بدأت ببث البرامج المرخصة حصرياً لـ«بي إن» من قبل كبرى الدوريات وشركات الإعلام — عبر الإنترنت والأقمار الصناعية وأجهزة استقبال تحمل علامتها — في السعودية ودول عربية أخرى، بينما حُظرت أجهزة «بي إن» الأصلية.
وخلصت تحقيقات تقنية متعددة، بينها تحقيق مولّته الفيفا واتحادان قاريان ومجموعة من كبرى الدوريات الأوروبية وأجرته شركة «مارك مونيتور»، «دون أدنى شك» إلى أن شركة «عربسات» السعودية لعبت «دوراً حيوياً» في عملية القرصنة، وأن بث «بي آوت كيو» كان يتم عبر إشاراتها «بدعم ضمني على الأقل من شخصيات نافذة في السعودية». ورغم نفي «عربسات» المتكرر، رفضت الشركة إيقاف البث رغم قدرتها التقنية على ذلك، وهو ما اعتبرته «بي إن» دليلاً على الدوافع السياسية وراء العملية.
وفي 2018، أطلقت قطر دعوى بمليار دولار ضد السعودية بسبب القرصنة المزعومة، وتقدمت بشكوى إلى منظمة التجارة العالمية متهمة الرياض بعدم تسهيل ملاحقة «بي آوت كيو». وفي 2020، قضت المنظمة بأن الحكومة السعودية خرقت قواعد الملكية الفكرية الدولية، وهو حكم استأنفته الرياض. كما أُدرجت القضية في تقريري الممثل التجاري الأمريكي: تقرير الأسواق سيئة السمعة وتقرير «القائمة 301 الخاصة» لعام 2020.
ورغم إغلاق «بي آوت كيو» نفسها عام 2019، استمرت تداعياتها. ففي 2021، رفعت السعودية الحظر عن «بي إن سبورتس» الذي استمر أربع سنوات ونصف، وتعهدت الحكومة السعودية بالعمل مباشرة مع «بي إن» لإغلاق أي قرصنة تلفزيونية في المملكة، وذلك ضمن تسوية شملت تعويضات للشبكة القطرية، ومهّدت الطريق لاحقاً لصفقة استحواذ صندوق الاستثمارات العامة السعودي على نادي نيوكاسل يونايتد التي كانت القرصنة إحدى أبرز عقباتها.
ولم تكن المعركة القضائية سهلة على «بي إن» نفسها؛ إذ قضت محكمة فرنسية عام 2019 بأنه لا يوجد «تعطيل واضح وغير قانوني» يبرر إجبار «عربسات» على حجب إشارات «بي آوت كيو» في فرنسا، بل وألزمت الشبكة القطرية بدفع 25 ألف يورو لـ«عربسات» و6 آلاف يورو لأحد مستشاريها كرسوم. ورحّب الطرفان بالحكم، كلٌّ لاعتباره داعماً لملفاته في تحكيمات دولية موازية.
كما أُدرجت القضية في تقريري الممثل التجاري الأمريكي لعام 2020: تقرير الأسواق سيئة السمعة وتقرير «القائمة 301 الخاصة» حول حماية الملكية الفكرية. ورغم إغلاق «بي آوت كيو» عام 2019، بقيت القضية مرجعاً عالمياً في أدبيات قرصنة البث الرياضي — ودليلاً على أن حروب المحتوى قد تكون امتداداً لحروب السياسة بأدوات أخرى.
وبتعليق مساعي الطرفين لمتابعة الإجراءات عبر منظمة التجارة العالمية، طُوي ملف واحدة من أضخم قضايا القرصنة في التاريخ، تاركاً وراءه درساً في كيف يمكن لخلاف سياسي أن يتحول إلى حرب إعلامية وتجارية بمليارات الدولارات، وكيف يمكن للمصالحة أن تعيد رسم خريطة الاستثمار الرياضي في المنطقة.