قضت محكمة فرنسية باعتبار شركة عربسات (Arabsat) متورطة في عملية قرصنة مشتركة مع قناة "بي أوت كيو" (beoutQ) التي سرقت محتوى شبكة بي إن سبورتس (beIN Sports) القطرية وبثته عبر القمر الصناعي، في حكم يمثل انتصاراً قضائياً مهماً للشبكة القطرية في حربها الطويلة ضد القرصنة.
وكانت شبكة بي إن سبورتس قد رفعت دعوى قضائية في فرنسا إثر قرصنة مباريات كأس العالم للسيدات 2019 التي أقيمت على الأراضي الفرنسية، متهمة قناة "بي أوت كيو" بسرقة بثها الحصري وإعادة بثه عبر ترددات على أقمار عربسات. وطالبت الشبكة القطرية بتعويضات وُصفت بالمليارية، معتبرة أن القرصنة المنظمة كبدتها خسائر فادحة في حقوق بث دفعت مقابلها مبالغ طائلة.
واعتبرت المحكمة الفرنسية أن عربسات، المشغل السعودي للأقمار الصناعية، كانت على علم بعمليات القرصنة التي تتم عبر أقمارها ولم تتخذ الإجراءات الكافية لوقفها، ما يجعلها شريكة في عملية القرصنة. وجاء الحكم ليعزز موقف بي إن سبورتس التي خاضت معارك قضائية في عدة دول ضد القناة القرصنة التي ظهرت عام 2017 وبثت مباريات الدوريات الكبرى والبطولات العالمية دون حقوق.
واعتبرت جهات غربية القضية جزءاً من صراع أوسع حول حقوق الملكية الفكرية في المنطقة، إذ تزامن ظهور "بي أوت كيو" مع الأزمة الدبلوماسية الخليجية، ورأت الدوحة فيها سلاحاً إعلامياً يستهدف استثماراتها الرياضية الضخمة. وكانت منظمات دولية لحماية حقوق البث قد أدانت القناة القرصنة وطالبت بوقفها، بينما أكدت تحقيقات تقنية أن البث المقرصن كان يمر عبر أقمار عربسات.
ورغم أن القناة القرصنة توقفت عن البث لاحقاً، إلا أن الحكم الفرنسي يبقى سابقة قضائية مهمة في مجال حماية حقوق البث الرياضي، ورسالة بأن مشغلي الأقمار الصناعية يتحملون مسؤولية عن المحتوى المقرصن الذي يمر عبر أقمارهم. أما بي إن سبورتس، فقد اعتبرت الحكم تتويجاً لسنوات من الملاحقة القانونية دفاعاً عن استثماراتها التي تقدر بمليارات الدولارات، ودليلاً على أن معركة حماية الملكية الفكرية يمكن كسبها بالقانون حتى أمام خصوم بحجم الدول.
وكانت منظمة التجارة العالمية قد نظرت في القضية، في إطار النزاع الأوسع حول حماية الملكية الفكرية في المنطقة. ورأى خبراء القانون الدولي أن قضية "بي أوت كيو" مثلت اختباراً حقيقياً لمدى جدية المنظومة العالمية في حماية حقوق البث الرياضي.
وبعد توقف القناة القرصنة، تنفست بي إن سبورتس الصعداء، لكن المعركة ضد القرصنة مستمرة بأشكال جديدة عبر الإنترنت. ويبقى الحكم الفرنسي ضد عربسات رسالة قوية بأن المتواطئين في القرصنة لن يفلتوا من العقاب، مهما كان حجمهم أو نفوذهم.
ويرى محللون أن قضية "بي أوت كيو" كشفت عن ثغرات خطيرة في المنظومة العالمية لحماية حقوق البث، إذ استغرق الأمر سنوات لإيقاف قناة كانت تبث علناً للملايين. كما أظهرت القضية كيف يمكن للتقنية أن تُستخدم كسلاح في الصراعات السياسية، وأن القرصنة قد تكون أداة ضغط جيوسياسية. أما بالنسبة لصناعة البث الرياضي، فقد دفعت القضية الشركات إلى الاستثمار بكثافة في تقنيات مكافحة القرصنة والحماية الرقمية. وبقي الحكم الفرنسي ضد عربسات تذكيراً بأن العدالة قد تتأخر لكنها تصل في النهاية، وأن الاستثمار في الملاحقة القانونية قد يكون مجدياً على المدى الطويل.