وجد ناصر الخليفي، أحد أقوى الرجال نفوذاً في كرة القدم الأوروبية، نفسه في قلب عاصفة قضائية جديدة، بعدما أعلن مكتب المدعي العام في باريس فتح تحقيق قضائي بحقه بشبهة تضارب المصالح خلال توزيع الحقوق التلفزيونية للدوري الفرنسي في صيف 2024. ويأتي التحقيق إثر شكوى رسمية تقدمت بها جمعية مكافحة الفساد الفرنسية «أنتيكور»، لتُحال القضية إلى وحدة مكافحة الفساد المالي، في تطور كشفته صحيفة ليكيب وأكدته صحيفة ماركا الإسبانية.
تعود وقائع القضية إلى يوليو 2024، حين كان الدوري الفرنسي يخوض مفاوضات شاقة لبيع حقوق البث المحلية بعد فشل رئيس الرابطة فانسان لابرون في بلوغ هدفه الطموح المتمثل في 700 مليون يورو سنوياً. ومع تضاؤل الخيارات بين إطلاق الرابطة قناتها الخاصة أو قبول عرض منقوص، تدخّل الخليفي لوساطة صفقة مشتركة بين منصة دازون البريطانية وشبكة بي إن سبورتس، تقضي بدفع الأولى 400 مليون يورو سنوياً مقابل ثماني مباريات، ودفع الثانية نحو 100 مليون يورو مقابل مباراة واحدة، وهو العرض الذي أقرّته الأندية في 14 يوليو 2024.
ترى «أنتيكور» أن تدخل الخليفي كان يهدف إلى «التأثير على قرار مجلس إدارة الرابطة لصالح الشركة التي يرأسها»، أي بي إن سبورتس، مستغلاً تزامن مواقعه الثلاثة: رئيس نادٍ منافس في الدوري، ورئيس المجموعة الإعلامية المشترية للحقوق، وعضو مجلس إدارة الرابطة البائعة لها. وقد عززت الشكوك تسجيلات صوتية لاجتماعات تلك الفترة بثّها برنامج «كومبليمان دانكيّت» وصحيفة ليكيب، أظهرت أجواء مشحونة وتبادلات حادة، مع اتهامات للخليفي بممارسة الترهيب والضغط على رؤساء الأندية لقبول عرض بي إن، بينما أشاد آخرون بالـ100 مليون يورو الإضافية التي جلبتها وساطته.
يرد معسكر الخليفي بأن الشكوى «عبثية»، مؤكداً أنه تحرك بطلب من عدد من رؤساء الأندية الذين خشوا خروج الدوري بلا اتفاق مالي مجزٍ، وأن الصفقة حظيت بدعم الأندية وممثليها. كما يشير مقربون منه إلى أن يوسف العبيدلي، الرئيس التنفيذي لبي إن سبورتس فرنسا، هو من كان يدير الملف عملياً وأنه تنحّى عن أي دور تضاربي خلال المفاوضات.
المفارقة أن الصفقة التي أثارت كل هذا الجدل انهارت لاحقاً من تلقاء نفسها: انسحبت دازون من العقد بنهاية موسم 2024-2025 بعد فشلها في تحقيق الأرباح المتوقعة، واضطرت الرابطة إلى إطلاق قناتها الخاصة «ليغ 1+» في صيف 2025، بينما تستعد بي إن لمغادرة صفقة المباراة الواحدة نهاية الموسم الحالي مع استمرارها في بث دوري الدرجة الثانية. أما نيكولا دو تافيرنو، الرئيس السابق لقناة الرابطة، فقد أثار بدوره شبهة تضارب المصالح نفسها في الشتاء الماضي.
يؤكد مراقبون أن فتح تحقيق في شبهة تضارب مصالح لا يعني ثبوت أي مخالفة، وأن القضاء الفرنسي هو من سيحدد ما إذا كان الخليفي قد استغل مواقعه المتداخلة للتأثير على القرار. لكن القضية بحد ذاتها تسلط الضوء على التركّز غير المسبوق للنفوذ في يد رجل واحد يجمع بين رئاسة نادٍ عملاق وقيادة إمبراطورية إعلامية ومواقع مؤثرة في حوكمة اللعبة، وهو تركيز ظل طويلاً مثار جدل في أروقة الكرة الأوروبية.