أغلقت المحاكم الفرنسية الشق الجنائي من النزاع المرير بين كيليان مبابي وناديه السابق باريس سان جيرمان المملوك قطرياً، بعدما رفضت دعوى «التحرش المعنوي» التي رفعها النجم الفرنسي ضد النادي، لتنتهي بذلك واحدة من أكثر المعارك القانونية إثارة في كرة القدم الأوروبية خلال السنوات الأخيرة.
وتعود جذور القضية إلى صيف عام 2023، عندما أبلغ مبابي إدارة النادي الباريسي بأنه لن يُفعّل بند تمديد عقده، ما دفع الإدارة إلى إبعاده عن المجموعة الأساسية للفريق الأول وإلحاقه بمجموعة اللاعبين المستبعدين، في خطوة فُسّرت على نطاق واسع بأنها محاولة للضغط عليه إما لتجديد العقد أو الرحيل بمقابل مالي كبير قبل نهاية عقده. وبعد أسابيع من التوتر، عاد اللاعب إلى تشكيلة المدرب لويس إنريكي وأكمل الموسم، قبل أن يرحل مجاناً إلى ريال مدريد في صيف 2024.
وكان مبابي قد اتهم النادي باستخدام أساليب «غير قانونية» للاحتفاظ بخدماته، مدعياً أنه تعرّض لتهديد بالإنزال إلى فريق الرديف. ورغم أن اللاعب سحب شكواه لاحقاً في يوليو 2025، واصل القضاء التحقيق، قبل أن يصدر قضاة التحقيق قراراً بالحفظ لعدم كفاية الأدلة، معتبرين أن القضية «مستحيلة التحقيق» في ظل سحب الشكوى وغياب ما يثبت الاتهامات.
أما الشق المالي من النزاع فسار في اتجاه معاكس تماماً. فقد قضت محكمة العمل الفرنسية في ديسمبر 2025 بإلزام باريس سان جيرمان بدفع نحو 61 مليون يورو لمبابي، تشمل الثلث الأخير من مكافأة التوقيع ورواتب الأشهر الثلاثة الأخيرة من عقده ومكافأة «الأخلاقيات» التي اعتبر اللاعب أنه يستحقها. ورفض النادي في البداية بحجة وجود اتفاق شفهي مع الرئيس ناصر الخليفي، لكن المحكمة لم تأخذ بذلك، وقرر النادي لاحقاً عدم الاستئناف، ليُغلق هذا الملف نهائياً.
وكان مبابي قد انضم إلى باريس سان جيرمان عام 2017 قادماً من موناكو في صفقة بلغت 180 مليون يورو، ليصبح ثاني أغلى لاعب في تاريخ كرة القدم. وخلال سبع سنوات، سجل 256 هدفاً في 308 مباريات، محطماً الرقم القياسي لهداف النادي التاريخي، لكنه فشل مع أجيال متعاقبة ضمت نيمار وميسي في تحقيق الحلم الأكبر: لقب دوري أبطال أوروبا، الذي لم يصل النادي إلى نهايته سوى مرة واحدة عام 2020 قبل الخسارة أمام بايرن ميونخ.
وفي مفارقة لافتة، توّج باريس سان جيرمان بلقب دوري الأبطال بعد رحيل مبابي، بينما واصل النجم الفرنسي تألقه الفردي في مدريد محققاً لقبي هداف، دون أن يظفر بعد بالألقاب الكبرى مع النادي الملكي. وكان مبابي قد كشف في تصريحات سابقة أن أمير قطر تدخّل شخصياً في محاولة أخيرة لإقناعه بالبقاء، لكنه — بحسب رواية اللاعب — احترم قراره وشكره على سبع سنوات من العطاء، مؤكداً أن «العلاقة مع الأمير كانت دائماً رائعة».
وكان صيف 2023 قد شهد ذروة التوتر، عندما استُبعد مبابي من جولة النادي الآسيوية وأُلحق بمجموعة اللاعبين المنبوذين، في مشهد غير مسبوق لنجم بحجمه. ورغم عودته لاحقاً إلى التشكيلة الأساسية، بقيت العلاقة متوترة حتى رحيله المجاني الذي اعتُبر صفعة قوية للمشروع القطري الذي أنفق أكثر من أي نادٍ أوروبي آخر خلال 15 عاماً — 34 لقباً محلياً منذ موسم 2009-2010 — دون أن يلامس المجد الأوروبي.
وفي تصريحات لاحقة، اعترف مبابي بارتكاب «الخطأ» في إدارة وداعه، نافياً تدهور علاقته بالخليفي، ومؤكداً أن أمير قطر تفهّم قراره بالرحيل إلى ريال مدريد وشكره على سنوات العطاء. وجاءت المفارقة الكبرى عندما توّج باريس سان جيرمان بلقب دوري الأبطال بعد رحيله مباشرة، ليتساءل كثيرون: هل كان مبابي هو القطعة المفقودة أم العائق الأخير؟
وبهذا الإغلاق القضائي، تُطوى صفحة واحدة من أكثر فصول العلاقة تعقيداً بين نجم عالمي ونادٍ تملكه قطر للاستثمارات الرياضية، تاركة وراءها أسئلة عن حدود سلطة الأندية في التعامل مع لاعبيها، وعن كلفة المشاريع الكروية العملاقة التي تُبنى حول نجم واحد.