أسدل القضاء الفرنسي الستار على أطول صراع قانوني في تاريخ الكرة الفرنسية، برفض دعوى "التحرش المعنوي" التي رفعها كيليان مبابي (Kylian Mbappé) ضد ناديه السابق باريس سان جيرمان (Paris Saint-Germain) لعدم كفاية الأدلة، ليُطوى بذلك آخر فصول النزاع المرير بين الطرفين.

وتعود جذور القضية إلى صيف 2023، حين قررت إدارة النادي الباريسي استبعاد مبابي من الفريق الأول وإجباره على التدرب منفرداً، بعد رفضه تفعيل بند تمديد عقده. واتهم اللاعب إدارة النادي آنذاك بمحاولة إجباره على التجديد أو الرحيل بمقابل مالي ضخم خوفاً من خسارته مجاناً، وهي الفترة التي عُرفت إعلامياً بفضيحة "العلية".

وفي مايو 2025، شن مبابي حملة قانونية شاملة ضد ناديه السابق تضمنت شكوى التحرش المعنوي، بالتوازي مع نزاع تعاقدي حول مستحقات متأخرة. لكن اللاعب سحب دعوى التحرش لاحقاً، بعدما أنصفته محكمة العمل وألزمت النادي الباريسي بدفع 61 مليون يورو كمستحقات متأخرة، وهو حكم لم يستأنفه النادي ليصبح نهائياً وباتاً. ورغم سحب اللاعب لدعواه، واصلت النيابة العامة التحقيق بشكل مستقل، قبل أن يقرر قضاة التحقيق رفض المضي قدماً لاستحالة ذلك "لأن المدعي نفسه لا يؤيد الدعوى".

وبإسقاط هذه القضية، تُطوى جميع النزاعات القانونية بين مبابي وباريس سان جيرمان، لتنتهي قصة بدأت عام 2017 حين انتقل اللاعب من موناكو مقابل 180 مليون يورو كثاني أغلى صفقة في التاريخ، وأصبح خلالها الهداف التاريخي للنادي وفاز معه بسبعة ألقاب للدوري الفرنسي، قبل أن يبدأ فصلاً جديداً بقميص ريال مدريد (Real Madrid) في صفقة انتقال حر صيف 2024.

وتركت القضية دروساً عميقة حول إدارة علاقات الأندية بنجومها في عصر العقود الضخمة، وأثارت نقاشاً واسعاً حول حدود الضغوط المشروعة في نزاعات التجديد. أما مبابي، فقد طوى صفحة باريس نهائياً ليركز على مشروعه المدريدي، بينما يبقى النادي الباريسي مطالباً بمراجعة أساليبه بعدما كلفته القضية 61 مليون يورو وسمعة متضررة في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ الكرة الفرنسية.

وتُعد قضية مبابي من أشهر النزاعات بين لاعب ونادٍ في تاريخ الكرة الفرنسية، إذ جمعت بين التحرش المعنوي والمستحقات المالية في ملف واحد. ورأى خبراء القانون الرياضي أن القضية ستُدرس كمثال على تعقيد العلاقات التعاقدية في عصر الرواتب الفلكية.

أما باريس سان جيرمان، فقد طوى صفحة مبابي نهائياً متجهاً نحو مشروعه الجماعي الجديد. وبينما يواصل النجم الفرنسي تألقه مع ريال مدريد، يبقى الدرس الأهم: لا أحد أكبر من النادي، وأن إدارة النجوم فن لا يقل صعوبة عن إدارة المباريات.

ويرى مؤرخو الكرة الفرنسية أن قضية مبابي ستُذكر كنقطة تحول في علاقة الأندية بالنجوم، إذ أظهرت حدود ما يمكن للأندية فعله في نزاعات العقود. كما سلطت الضوء على أهمية العقود الواضحة والاتفاقات المكتوبة، بدلاً من التفاهمات الشفهية التي تثير النزاعات. أما بالنسبة لمبابي، فقد خرج من القضية منتصراً مالياً ومعنوياً، ليواصل مسيرته مع ريال مدريد بثقة أكبر. وسيبقى الدرس الأهم: أن الشفافية في العلاقات التعاقدية تحمي الجميع، وأن الغموض لا يولد إلا النزاعات والقضايا التي تضر بسمعة اللعبة.