لم تنتهِ قصة كيليان مبابي مع باريس سان جيرمان برحيله المجاني إلى ريال مدريد في صيف 2024، بل تحوّلت إلى واحدة من أطول وأشرس المعارك القانونية في كرة القدم الأوروبية. فبعد سبعة مواسم في حديقة الأمراء أصبح خلالها الهداف التاريخي للنادي برصيد 256 هدفاً، غادر قائد المنتخب الفرنسي باريس من الباب الضيق، تاركاً خلفه نزاعاً مالياً ضخماً حول مبلغ يتراوح بين 55 و60 مليون يورو يقول إنه مستحق له عن الأشهر الثلاثة الأخيرة من عقده، إضافة إلى الثلث الأخير من مكافأة الولاء المنصوص عليها في العقد.

تعود جذور الأزمة إلى صيف 2023، عندما أبلغ مبابي إدارة النادي قراره عدم تفعيل بند تمديد عقده لعام إضافي، فكان الرد استبعاده من جولة الفريق التحضيرية ووضعه على قائمة البيع. وبحسب رواية النادي، توصّل الطرفان آنذاك إلى اتفاق «جنتلمان» شفهي يقضي بتنازل اللاعب عن جزء من مستحقاته المالية تعويضاً للنادي عن رحيله مجاناً، وهو الاتفاق الذي سمح بعودته إلى التشكيلة الأساسية. لكن فريق مبابي القانوني يرد بأن القانون الفرنسي لا يعترف بأي تعديل شفهي لعقد عمل مكتوب، وأن الأجور غير المدفوعة حق مكتسب لا يسقط بالكلام.

في سبتمبر 2024 أصدرت اللجنة القانونية لرابطة الدوري الفرنسي للمحترفين حكمها الأول لصالح مبابي، آمرة النادي بدفع المبلغ المطالب به. استأنف باريس سان جيرمان القرار، لكن لجنة الاستئناف المشتركة أيدت الحكم في أكتوبر من العام نفسه بعد جلسة استماع حضرها الطرفان في 15 أكتوبر، معتبرة أن «على النادي أن يدفع للاعب الأجزاء المطالب بها من راتبه». وبدلاً من الامتثال، أعلن النادي أنه «سيُضطر إلى عرض القضية على المحاكم المختصة»، متمسكاً بأن العقد الأصلي «عُدّل قانونياً في أغسطس 2023» وأن اللاعب «نقض التزاماته العلنية والخاصة المتكررة» بعدما حظي على مدى سبع سنوات بـ«مزايا غير مسبوقة».

تصاعدت المعركة في ربيع 2025 عندما بادر محامو مبابي إلى فرض حجز تحفظي على الحسابات المصرفية للنادي، وهي خطوة أثارت ضجة واسعة. وفي تطور لاحق أمرت محكمة الاستئناف في باريس مبابي بدفع 60 ألف يورو تعويضاً للنادي، معتبرة أن الحجز لم يكن مبرراً وتسبب بضرر مالي مباشر، رغم رفضها طلب النادي بالتعويض عن الضرر المعنوي. وبالتوازي، واصلت القضية الأساسية طريقها عبر درجات التقاضي العمالي والرياضي، حيث ظل مبلغ الـ55 مليون يورو محل نزاع أمام جهات قضائية متعددة.

على الصعيد الشخصي، بدت العلاقة بين مبابي ورئيس النادي ناصر الخليفي محطمة تماماً، خصوصاً بعدما تعرّض اللاعب لصافرات الاستهجان في مباراته الأخيرة على ملعب حديقة الأمراء. غير أن مبابي فاجأ الجميع في مقابلة مع صحيفة لو باريزيان بتأكيده أنه سيصافح الخليفي إذا تواجه الفريقان، قائلاً إنه لعب في باريس سبع سنوات عاش خلالها «لحظات استثنائية» وإنه ممتن لما قُدّم له على المستويين الشخصي والمهني.

تتجاوز القضية حدود لاعب ونادٍ، إذ تطرح سؤالاً جوهرياً عن حدود الاتفاقات الشفهية في عقود كرة القدم الاحترافية أمام صرامة قانون العمل الفرنسي، وعن قدرة الأندية المملوكة لدول على فرض شروطها خارج النصوص المكتوبة. وبينما يواصل مبابي تألقه مع ريال مدريد، تبقى معركة الـ55 مليون يورو جرحاً مفتوحاً يذكّر بأن أغلى طلاق في كرة القدم الفرنسية لم يُحسم بعد.