كشفت صحيفة «صنداي تايمز» البريطانية في يونيو 2022 عن واحدة من أكثر الوقائع إثارة للدهشة في علاقة الأثرياء الخليجيين بالعائلة المالكة البريطانية: تسليم رئيس الوزراء القطري الأسبق الشيخ حمد بن جاسم بن جابر آل ثاني نحو 3 ملايين يورو نقداً — داخل حقيبة سفر وحقيبة يد وأكياس تسوق من متجر «فورتنام آند ميسون» الفاخر — إلى الأمير تشارلز (ملك بريطانيا الحالي) خلال ثلاثة لقاءات خاصة بين 2011 و2015.
وبحسب الصحيفة، جرت عمليات التسليم خلال اجتماعات خاصة في «كلارنس هاوس»، المقر الرسمي للأمير، وأُودعت الأموال لاحقاً في «الصندوق الخيري لأمير ويلز»، وهو كيان يموّل مشاريع الأمير الخاصة ويدفع نفقات مقره الريفي في اسكتلندا. ونقلت الصحيفة عن مستشار سابق للأمير قوله إن «الجميع شعر بعدم ارتياح شديد إزاء الموقف»، وإن كل ما أمكن فعله هو «عدّ النقود وتسجيل ما جرى ثم الاتصال بالبنك».
وسارع قصر «كلارنس هاوس» إلى إصدار بيان أكد فيه أن «التبرعات الخيرية الواردة من الشيخ حمد بن جاسم سُلّمت فوراً إلى إحدى الجمعيات الخيرية التابعة للأمير، التي طبّقت الحوكمة المناسبة وأكدت لنا اتباع جميع الإجراءات الصحيحة». وشددت الصحيفة نفسها على أنه «لا يوجد ما يشير إلى أن المدفوعات كانت غير قانونية»، كما أكد مدققو حسابات الصندوق أنهم وقّعوا على التبرع بعد استفسار محدد أثناء التدقيق.
لكن ذلك لم يمنع العاصفة. فقد أعلنت هيئة تنظيم الجمعيات الخيرية البريطانية أنها ستراجع المعلومات لتحديد ما إذا كان لها دور في القضية، بينما طالبت جماعة «ريبابليك» المناهضة للملكية بفتح تحقيق. وقال وزير شؤون أيرلندا الشمالية آنذاك إنه واثق من أن التبرعات مرت عبر «الإجراءات الواجبة»، لكن الواقعة غذّت الحديث عن «ثقافة النقد مقابل النفوذ» في محيط الأمير.
وجاءت الفضيحة بعد أشهر فقط من فضيحة أخرى طالت مساعد تشارلز الأيمن مايكل فوسيت، الذي استقال من إدارة إحدى الجمعيات الملكية الرئيسية بعد تقارير عن عرضه أوسمة ملكية مقابل تبرعات، وهي قضية حققت فيها الشرطة وهيئة الجمعيات الخيرية. كما لاحقت تشارلز لاحقاً اتهامات بقبول تبرعات من عائلة بن لادن، ما جعل ملف التبرعات المشبوهة كابوساً متكرراً للملك الحالي.
وأكدت «كلارنس هاوس» أن مدققي حسابات الصندوق — شركة «KPMG» — كانوا على علم بالتبرعات ووقّعوا عليها «بعد استفسار محدد أثناء التدقيق»، نافية أي «إخفاق في الحوكمة». كما نُقل عن وزير شؤون أيرلندا الشمالية براندون لويس قوله إنه «واثق» من أن الأموال مرت عبر «الإجراءات الواجبة».
لكن جماعة «ريبابليك» المناهضة للملكية طالبت بتحقيق مستقل، مشيرة إلى أن الصندوق الخيري أصبح خامس كيان خيري مرتبط بالأمير يواجه تدقيقاً تنظيمياً منذ سبتمبر 2021 — بينها مؤسسة الأمير التي حققت فيها الشرطة بشبهة «النقد مقابل الأوسمة». وهكذا تحوّلت حقائب النقود القطرية إلى رمز لزمن كانت فيه الأموال الخليجية تتدفق على المؤسسات البريطانية العريقة بأشكال لم تعد مقبولة اليوم.
أما الشيخ حمد بن جاسم — المعروف بـ«HBJ» والذي شغل رئاسة الوزراء ووزارة الخارجية القطرية وكان مهندس التوسع الاستثماري القطري العالمي — فلطالما أحاطت به الأضواء والجدل معاً، من صفقات بمليارات الدولارات إلى حضوره اللافت في الأوساط المالية والسياسية الغربية. وتبقى واقعة «حقائب النقود» رمزاً لزمن كان فيه المال الخليجي يتدفق على المؤسسات البريطانية العريقة بأشكال لم تعد مقبولة في مناخ الشفافية الحالي.