بدأت القصة بهدوء في أواخر 2020، عندما لاحظت الخطوط الجوية القطرية أثناء إعادة طلاء إحدى طائراتها من طراز إيرباص إيه 350 في مدينة شانون الإيرلندية بكسوة كأس العالم، أن الطلاء يتقشر ويتشقق بوتيرة متسارعة على جسم الطائرة المصنوع من ألياف الكربون. ما بدا عيباً تجميلياً تحوّل سريعاً إلى أزمة سلامة في نظر الدوحة: التشققات كشفت طبقة الشبكة النحاسية الممددة التي تحمي الطائرة من الصواعق، فاعتبرت هيئة الطيران المدني القطرية ذلك خللاً خطيراً وأمرت بوقف تحليق نحو 29 طائرة من الطراز، في قرار لم تتخذه أي شركة طيران أخرى حول العالم.

في ديسمبر 2021 صعّدت القطرية، إحدى أكبر عملاء إيرباص، بنقل المعركة إلى المحكمة العليا في لندن مطالبة بتعويضات في نزاع قُدّرت قيمته بنحو ملياري دولار. ردّت إيرباص بعنف غير مسبوق في تاريخ علاقاتها بعملائها: ألغت في يناير 2022 تسليم طائرتي إيه 350 كانتا جاهزتين، ثم ألغت طلبية منفصلة لـ50 طائرة من طراز إيه 321 نيو الشديد الطلب في السوق، وهي خطوة دفعت القطرية إلى توقيع طلبية بديلة مع بوينغ لشراء 50 طائرة 737 ماكس. وتبادل الطرفان الاتهامات في جلسات علنية؛ أصرّت إيرباص على أن العيب لا يمس صلاحية الطيران وأن طريقة القطرية في إزالة الطلاء كيميائياً «تجاوزت توصيات إيرباص»، بينما كشفت الجلسات أن الشركة عدّلت فعلاً تصميم الشبكة النحاسية في الطائرات الأحدث، وأنها سوّت قضايا مماثلة مع شركات أخرى فضّلت عدم وقف طائراتها.

في الأول من فبراير 2023، وقبل أشهر من موعد المحاكمة المقررة في يونيو، فاجأ الطرفان الجميع بإعلان مشترك مقتضب: «يسرّ الخطوط الجوية القطرية وإيرباص التوصّل إلى تسوية ودية ومقبولة للطرفين في نزاعهما القانوني حول تدهور سطح طائرات إيه 350 ووقف تحليقها». شدّد البيان على أن تفاصيل التسوية سرية، وأنها «لا تُعد إقراراً بالمسؤولية من أي طرف»، وأن الطرفين «سيتقدمان لإسقاط دعاواهما القانونية» والمضي قدماً «كشريكين». ورحّب وزير المالية الفرنسي برونو لومير بالتسوية التي أنهت شرخاً علنياً غير مسبوق بين عملاق صناعة الطائرات الأوروبية وأحد أهم زبائنه.

عملياً، أعادت التسوية إحياء الطلبيات الملغاة من طرازي إيه 350 وإيه 321 نيو، وبدأ مشروع إصلاح الطائرات الموقوفة لإعادتها تدريجياً إلى الخدمة، في دفعة سعة ضخمة للناقلة القطرية. لكن النزاع ترك ندوباً عميقة: فقد أظهر أن حتى أعرق الشراكات في صناعة الطيران يمكن أن تنهار بسبب خلاف تقني، وأن لجوء شركة طيران إلى وقف طائراتها منفردة ضد إرادة المصنّع سابقة ستُدرَّس طويلاً. أما الدرس الأكبر لمراقبي القطاع، فهو أن ملياري دولار من الغضب المتبادل انتهت ببيان من خمسة أسطر لا يعترف فيه أحد بالخطأ.