طوى المصرفي القطري الشيخ جاسم بن حمد آل ثاني (Sheikh Jassim bin Hamad Al Thani) في أكتوبر 2023 صفحة واحدة من أكثر معارك الاستحواذ إثارة في تاريخ كرة القدم، بعدما أعلن انسحابه رسمياً من سباق شراء نادي مانشستر يونايتد (Manchester United) الإنجليزي، منهيا عاماً كاملاً من المفاوضات والشد والجذب مع عائلة غليزر المالكة للنادي.
وكان الشيخ جاسم قد تقدم عبر مؤسسته "ناين تو" بعرض بلغ نحو 5 مليارات جنيه إسترليني للاستحواذ الكامل على 100% من أسهم النادي، مع التعهد بتسديد ديونه المتراكمة التي ورثها النادي منذ استحواذ عائلة غليزر عليه بالرافعة المالية عام 2005، إلى جانب وعود باستثمارات ضخمة في ملعب أولد ترافورد ومرافق التدريب وفريق السيدات والمجتمع المحلي. واعتبر العرض القطري من أنصاره العرض الوحيد الذي يمنح النادي ملكية خالصة من الديون، في مقابل العرض المنافس للملياردير البريطاني جيم راتكليف (Jim Ratcliffe) الذي كان يقترح شراء حصة جزئية فقط.
وتعود جذور الصفقة إلى نوفمبر 2022، حين أعلنت عائلة غليزر مراجعة "خيارات استراتيجية" للنادي شملت البيع الكامل، لتنفجر بعدها حرب مزايدات استمرت شهوراً بين المعسكر القطري ومجموعة "إنيوس" التابعة لراتكليف. ورأى جمهور يونايتد في العرض القطري الفرصة الذهبية للتخلص من حقبة غليزر التي بدأت عام 2005 باستحواذ مثير للجدل حمّل النادي ديوناً ضخمة ما زالت تثقل كاهله حتى اليوم، وأشعلت احتجاجات جماهيرية واسعة رفعت شعار الأصفر والأخضر لسنوات.
لكن المفاوضات تعثرت أمام تمسك عائلة غليزر بسعر أعلى بكثير مما عرضه الطرف القطري، إذ تحدثت تقارير عن مطالبة العائلة بمبلغ يقترب من ضعف العرض المقدم، أو على الأقل الاحتفاظ بحصة أغلبية في النادي وهو ما رفضه الشيخ جاسم الذي كان يشترط الاستحواذ الكامل والنظيف من الديون. وبعد جولات متكررة من رفع العروض التي بدأت مطلع 2023، قرر الجانب القطري الانسحاب نهائياً في أكتوبر 2023، تاركاً الساحة خالية أمام راتكليف.
وذهبت الصفقة لاحقاً إلى جيم راتكليف الذي اشترى حصة أقلية بلغت نحو 25% من النادي مقابل نحو 1.25 مليار جنيه إسترليني، مع تولي مجموعته "إنيوس" إدارة العمليات الكروية في النادي في صفقة أُعلنت نهاية 2023. ولم يخف جمهور مانشستر يونايتد، الذي كان قسم كبير منه يحلم بعهد قطري جديد ينهي حقبة غليزر المثيرة للجدل، خيبة أمله من ضياع العرض القطري، إذ رأى فيه الفرصة الأخيرة للتخلص من ديون النادي وبدء مشروع رياضي ضخم يعيد النادي إلى منصات التتويج الأوروبية.
وترك الانسحاب القطري أسئلة معلقة حول مستقبل ملكية النادي، فبينما رحب آخرون ببقاء جزء من السيطرة بيد العائلة المالكة القديمة، يرى منتقدو الصفقة الجديدة أن الحصة الأقلية لا تحل المعضلة الهيكلية للنادي المثقل بالديون، وأن حلم الجماهير بالتخلص الكامل من إرث غليزر قد تأجل إلى أجل غير مسمى، في وقت يواصل فيه النادي تراجعه الرياضي محلياً وأوروبياً ويبتعد أكثر عن منصات التتويج التي كان سيدها قبل عقدين.