طوت الخطوط الجوية القطرية (Qatar Airways) وشركة إيرباص (Airbus) الأوروبية في فبراير 2023 صفحة واحدة من أشرس النزاعات التجارية في تاريخ صناعة الطيران، بعدما توصلتا إلى تسوية ودية أنهت خلافاً مريراً استمر 18 شهراً حول تشقق طلاء طائرات A350.

وبدأ النزاع عام 2021 حين اشتكت الناقلة القطرية من تدهور وتشقق في الطلاء الخارجي لطائراتها من طراز A350، معتبرة أن العيب يهدد سلامة الطائرات على المدى الطويل، لتقوم هيئة الطيران المدني القطرية بإيقاف عشرات الطائرات عن الخدمة. وردت إيرباص بأن المشكلة "تجميلية" ولا تؤثر على السلامة، ثم صعدت الخلاف بإلغاء طلبيات قطرية ضخمة لطائرات من طرازي A350 وA321neo، لتتحول القضية إلى معركة قانونية أمام المحاكم البريطانية.

وبلغت المطالبات المتبادلة بين الطرفين ما يقارب ملياري دولار، في نزاع نادر الحدوث بين شركة طيران كبرى وأحد عملاقي صناعة الطائرات في العالم. وكانت القضية تحظى بمتابعة واسعة في أوساط الصناعة، إذ اعتُبرت اختباراً لعلاقة القوة بين المصنعين والناقلات الكبرى، خاصة مع تعنت الطرفين ورفضهما التراجع لأشهر طويلة، في وقت كانت فيه صناعة الطيران تتعافى بصعوبة من تداعيات الجائحة.

وبموجب التسوية، أعادت إيرباص الطلبيات الملغاة التي شملت 73 طائرة، وعاد أسطول A350 القطري تدريجياً إلى الخدمة، دون أن يعترف أي طرف بالمسؤولية عن العيب المزعوم. ورحبت أوساط الصناعة بالتسوية التي أنهت حالة عدم اليقين، وأعادت العلاقة بين الشريكين التجاريين الكبيرين إلى طبيعتها.

وأظهرت القضية برمتها مدى تشابك المصالح في صناعة الطيران العالمية، حيث لا يمكن لأي طرف تحمل قطيعة طويلة مع الآخر: الناقلة بحاجة لطائراتها وطلبياتها المستقبلية، والمصنع لا يستطيع التفريط بعميل استراتيجي. وخرجت القطرية من التسوية بأسطولها المستعاد وطلبياتها المؤكدة، وخرجت إيرباص بحفظ ماء وجهها دون إقرار بالعيب، في تسوية وُصفت بأنها انتصار للبراغماتية التجارية على الكبرياء المؤسسي.

ولعبت هيئة الطيران المدني القطرية دوراً محورياً في تصعيد النزاع، إذ كانت قراراتها بإيقاف الطائرات هي الشرارة التي أشعلت المعركة القانونية. ورأى مراقبون أن موقف الهيئة عكس استقلالية الجهات التنظيمية القطرية، بينما اعتبرته إيرباص تصعيداً غير مبرر لخلاف تقني كان يمكن حله ودياً.

أما على صعيد الأسطول، فقد مثلت عودة طائرات A350 دفعة قوية لخطط القطرية التوسعية، إذ تُعد الطائرة عماد أسطولها للرحلات الطويلة. وأكدت التسوية أن الشراكة بين الطرفين أكبر من أي خلاف عابر، وأن مستقبل التعاون بينهما ما زال واعداً بعشرات الطلبيات الجديدة.

ورأى خبراء الصناعة أن النزاع كشف عن تحول في موازين القوى بين المصنعين والناقلات، إذ لم تعد شركات الطيران الكبرى مجرد مشترين صامتين، بل أصبحت أطرافاً فاعلة تملك أوراق ضغط حقيقية. كما سلطت القضية الضوء على أهمية الشفافية في معايير الجودة والسلامة، وأن أي خلاف تقني قد يتحول إلى أزمة تجارية كبرى. أما الدرس الأهم للصناعة، فهو أن الشراكات الاستراتيجية طويلة الأمد تحتاج إلى آليات فعالة لحل النزاعات قبل وصولها إلى المحاكم، وأن الكبرياء المؤسسي قد يكلف الطرفين أكثر بكثير من ثمن التسوية المبكرة.