أسدل أكبر الباكر (Akbar Al Baker) في أكتوبر 2023 الستار على حقبة امتدت 27 عاماً على رأس الخطوط الجوية القطرية (Qatar Airways)، معلناً تنحيه عن منصب الرئيس التنفيذي للناقلة التي قادها من شركة إقليمية متواضعة إلى مصاف كبرى شركات الطيران في العالم.
وجاء إعلان التنحي في ظروف أحاط بها الغموض، إذ صدر بعد يوم واحد فقط من إعفائه من رئاسة هيئة السياحة القطرية دون إعلان رسمي للأسباب. وتزامن القراران المفاجئان مع تقارير عن تغييرات واسعة في قيادات المؤسسات القطرية الكبرى، ما فتح الباب أمام تكهنات حول خلفيات القرار الذي أنهى مسيرة واحد من أشهر المدراء التنفيذيين في صناعة الطيران العالمية.
وتولى قيادة الناقلة خلفاً للباكر بدر المير (Badr Al Meer)، الذي كان يشغل منصب الرئيس التنفيذي لمطار حمد الدولي، في خطوة اعتُبرت استمراراً لنهج الاعتماد على الكفاءات القطرية في قيادة المؤسسات الاستراتيجية. وتعهدت الإدارة الجديدة بمواصلة مسيرة النمو والتوسع التي رسمها الباكر على مدى عقود.
وكان الباكر قد تولى قيادة القطرية عام 1997 حين كانت تملك أسطولاً صغيراً لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، ليقودها إلى أسطول يضم مئات الطائرات وشبكة وجهات تغطي قارات العالم الست، محققاً لقب "أفضل شركة طيران في العالم" من سكاي تراكس مرات قياسية. واشتهر بأسلوبه الصدامي في التفاوض مع المصنعين، وبتصريحاته النارية التي أثارت الجدل مراراً، من وصفه مضيفات منافسات بـ"الجدات" إلى قوله إن شركته يجب أن يقودها رجل.
ورحل الباكر تاركاً إرثاً مزدوجاً: من جهة، مهندس أعظم قصة نجاح في تاريخ الطيران الخليجي، ومن جهة أخرى، شخصية مثيرة للانقسام بأسلوبها الصدامي وتصريحاتها النارية. وبينما تطوي القطرية صفحة مؤسس نهضتها الحديثة، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت الإدارة الجديدة ستحافظ على النهج التوسعي الجريء نفسه أم ستتبنى أسلوباً أكثر هدوءاً في قيادة الناقلة نحو المستقبل.
وجاءت إقالة الباكر ضمن موجة تغييرات واسعة في قيادات المؤسسات القطرية الكبرى، عكست رغبة الدوحة في ضخ دماء جديدة في مواقع المسؤولية. ورأى مراقبون أن القرار يعكس ثقة القيادة القطرية في جيل جديد من الكفاءات الوطنية القادرة على مواصلة مسيرة البناء.
أما بدر المير، القادم من إدارة مطار حمد الدولي أحد أفضل مطارات العالم، فيواجه تحديات كبيرة بين الحفاظ على مكانة الناقلة العالمية ومواصلة التوسع في سوق شديد التنافسية. وستكون سنواته الأولى اختباراً حقيقياً لقدرته على ملء فراغ تركه واحد من أشهر المدراء في تاريخ الصناعة.
ويرى مؤرخو صناعة الطيران أن حقبة الباكر ستُدرس كنموذج للقيادة التحويلية، إذ حول شركة صغيرة إلى عملاق عالمي بأسلوب إداري صارم ورؤية توسعية جريئة. لكنهم يشيرون أيضاً إلى أن أسلوبه الصدامي كان سيفاً ذا حدين: صنع النجاح التجاري لكنه أثار أزمات إعلامية متكررة. أما التحدي الأكبر أمام الإدارة الجديدة، فيتمثل في الحفاظ على روح المبادرة والجرأة التي ميزت عهد الباكر، مع تبني أسلوب تواصل أكثر دبلوماسية. فالصناعة تتغير بسرعة، والناقلات التي لا تتكيف تخاطر بفقدان مكانتها، وهو الدرس الذي ستختبره القطرية في سنوات ما بعد الباكر.