وجد رئيس نادي باريس سان جيرمان (Paris Saint-Germain) ناصر الخليفي (Nasser Al-Khelaifi) نفسه في قلب عاصفة قضائية فرنسية معقدة، بعدما وجه له رجل الأعمال الفرنسي الجزائري الطيب بن عبد الرحمن (Tayeb Benabderrahmane) اتهامات خطيرة باحتجازه في قطر عام 2020 لإجباره على تسليم وثائق حساسة تخص الخليفي.

وتعود تفاصيل القضية إلى عام 2020، حين يقول بن عبد الرحمن إنه احتُجز في الدوحة وأُجبر تحت الضغط على تسليم مواد ووثائق رقمية وصفها بأنها بالغة الحساسية وتتعلق بالخليفي وشبكة علاقاته الرياضية والسياسية. وعلى إثر هذه الاتهامات، فتح القضاء الفرنسي تحقيقات في وقائع الاحتجاز والابتزاز المزعومة، ووصلت التحقيقات إلى حد مداهمة الشرطة لشقة الخليفي في العاصمة الفرنسية باريس، في خطوة غير مسبوقة ضد واحد من أكثر الشخصيات نفوذاً في كرة القدم الأوروبية.

ويحتل الخليفي موقعاً فريداً في هرم السلطة الرياضية الأوروبية، فهو إلى جانب رئاسته للنادي الباريسي منذ استحواذ قطر للاستثمارات الرياضية عليه عام 2011، يترأس مجموعة "بي إن" الإعلامية المالكة لشبكة قنوات "بي إن سبورتس"، كما يتولى رئاسة رابطة الأندية الأوروبية، ما يمنحه نفوذاً مؤسسياً يمتد من غرف الملابس إلى قاعات صنع القرار القاري. وهذا التركز الاستثنائي للسلطات هو ما يجعل أي تحقيق قضائي يطاله حدثاً يهز أركان كرة القدم الأوروبية برمتها.

ولم تتوقف المتاعب القضائية عند قضية الاحتجاز المزعوم، إذ فتحت باريس تحقيقاً جديداً بشبهة تضارب المصالح حول حقوق بث الدوري الفرنسي، على خلفية الدور المزدوج الذي يلعبه الخليفي بين رئاسة النادي ورئاسة المجموعة الإعلامية، وسط تساؤلات عن تدخله في مفاوضات الحقوق التلفزيونية للمسابقة عام 2024. ويضيف هذا الملف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد القانوني المحيط بالرجل القطري.

من جهته، يرد الخليفي على كل هذه الاتهامات بأنها حملة تلاعب إعلامي منظمة تستهدفه شخصياً وتستهدف المشاريع القطرية في الرياضة الأوروبية، نافياً صحة المزاعم جملة وتفصيلاً، ومؤكداً أن القضاء سيبرئ ساحته في نهاية المطاف. كما نفى محيطه أي علاقة له بوقائع الاحتجاز المزعومة، معتبراً أن القضية تُدار إعلامياً أكثر مما تُدار قضائياً.

وتثير هذه القضايا المتشابكة جدلاً واسعاً في الأوساط الرياضية والقانونية الفرنسية حول حدود نفوذ الاستثمارات القطرية في كرة القدم الأوروبية، وحول قدرة القضاء الفرنسي على ملاحقة شخصيات بهذا الحجم من النفوذ الرياضي والسياسي. وبينما تستمر التحقيقات دون حسم نهائي حتى الآن، يبقى مستقبل الخليفي على رأس نادي العاصمة الفرنسية مرهوناً بما ستؤول إليه هذه الملفات القضائية في الأشهر المقبلة.

وتأتي هذه القضية في سياق أوسع من التدقيق القضائي الفرنسي المتزايد في الاستثمارات القطرية الرياضية، إذ سبق للشرطة الفرنسية أن احتجزت ميشيل بلاتيني عام 2019 للاستجواب حول دوره في منح قطر مونديال 2022، بينما تلاحق تحقيقات أخرى شبهات فساد مرتبطة بصفقات الاستحواذ وحقوق البث. ويرى مراقبون أن القضاء الفرنسي بات ينظر إلى المنظومة القطرية في الرياضة الأوروبية ككتلة واحدة، من النادي الباريسي إلى شبكة البث إلى رابطة الأندية الأوروبية التي يترأسها الخليفي نفسه.

وعلى الصعيد الرياضي، تلقي هذه القضايا بظلال ثقيلة على صورة باريس سان جيرمان الذي توج أخيراً بلقب دوري أبطال أوروبا عام 2025، إذ يجد النادي نفسه مضطراً للدفاع عن رئيسه في المحاكم بينما يحتفل بإنجازه القاري الأكبر. وبينما يؤكد محيط الخليفي أن القضايا لن تؤثر على إدارة النادي، يبقى السؤال مفتوحاً حول المدة التي يمكن فيها لرجل يلاحقه القضاء في ملفات بهذا الحجم أن يقود واحداً من أكبر أندية العالم.