في أكتوبر 2021 قضت المحكمة العليا في لندن بأن هواتف الأميرة هيا بنت الحسين ومحامييها ومساعديها اختُرقت ببرنامج التجسس بيغاسوس بتفويض صريح أو ضمني من زوجها السابق حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ووصف القاضي ما حدث بأنه إساءة كاملة للثقة والسلطة.
وجاء الحكم ضمن معركة الحضانة والطلاق الأشهر في تاريخ القضاء البريطاني بين الزوجين، بعد فرار الأميرة هيا إلى لندن عام 2019 مع طفليها. وخلص رئيس محكمة الأسرة، القاضي أندرو ماكفارلين، إلى أن شبكة من الخدم والوكلاء نفذت اختراق أو محاولات اختراق لستة هواتف على الأقل، تشمل هاتف الأميرة ومساعدتها الشخصية ومحامييها البارونة فيونا شاكلتون ونيكولاس مانرز واثنين من فريقها الأمني.
وطُوّر بيغاسوس بواسطة شركة إن إس أو الإسرائيلية ويباع حصرياً للحكومات، ويمنح مشغله قدرة شبه كاملة على تتبع الموقع والاستماع إلى المكالمات وقراءة الرسائل والتطبيقات والصور وكلمات المرور والتقويمات. ورأت المحكمة أن البرنامج المستخدم كان مرخصاً لدبي والإمارات، وأن الأدلة تشير بشكل ساحق إلى مصدر واحد محتمل للاختراق، وهو الشيخ نفسه بوصفه رئيس الحكومة المستفيد الوحيد من مراقبة خصمه القانوني.
ووصف القاضي النتائج بأنها انتهاكات متسلسلة للقانون الجنائي البريطاني وللحقوق الأساسية ولعملية المحكمة نفسها وحق الأم في الوصول إلى العدالة. وانتقد بشدة أن الاختراق لم يُعترف به قط رغم ثقل الأدلة، وأن الأب لم يبد أي قلق على أم أطفاله التي اختُرقت هواتفها واخترق أمنها، بل حشد فريقاً قانونياً وجنائياً ضخماً للطعن في كل نقطة.
من جهته، نفى الشيخ محمد أي علم له بالاختراق، وقال إن نتائج المحكمة استندت إلى أدلة لم تُكشف له وأنها صدرت بطريقة غير عادلة بحقه. وبقي هذا الإنكار هو الموقف الرسمي المعلن، في مقابل حكم قضائي مكتوب بالتفاصيل التقنية وشهادات الخبراء حول طبيعة الاختراق وتوقيته أثناء إجراءات المحكمة.
وتجاوزت تداعيات القضية حدود النزاع الأسري، إذ وضعت برنامج بيغاسوس نفسه في قلب فضيحة عالمية حول بيع أدوات التجسس الحكومية واستخدامها ضد المعارضين والصحفيين وحتى أفراد الأسر الحاكمة وخصومهم القانونيين داخل أروقة محاكم حليفة. وسألت وسائل إعلام بريطانية حكومتها علناً عن معنى أن يستخدم رئيس حكومة حليفة ذراع دولته للتجسس داخل لندن.
ولا تزال قضية اختراق هاتف الأميرة هيا المثال الأكثر توثيقاً قضائياً في العالم على وصول حروب الأسر الثرية إلى مستوى أسلحة التجسس السيبراني الحكومية، حيث لم يعد الخلاف على الحضانة يُخاض بالمحامين والبيانات فقط، بل بخوارزميات خفية تسكن هواتف الخصوم وتلتقط حياتهم كاملة من دون أن يشعروا.
ومن الناحية التقنية، أوضحت القضية للجمهور العريض قدرات بيغاسوس التي لا تتطلب حتى نقر الضحية على أي رابط، إذ يمكن زرعه عن بعد ليتحول الهاتف إلى جهاز مراقبة شامل يرسل موقعه ومحادثاته وصوره في صمت كامل. ولهذا السبب وضعت دول ومنظمات حقوقية الشركة المطورة على قوائم سوداء، ورفعت شركات تقنية كبرى دعاوى ضدها، ودعت الأمم المتحدة إلى وقف بيع أدوات التجسس حتى توضع ضوابط دولية ملزمة. فعندما يُستخدم منتج بهذه القوة في نزاع حضانة داخل أسرة واحدة، يصبح من المشروع التساؤل عن عدد المرات التي استُخدم فيها ضد أشخاص لا يملكون جيوشاً من المحامين والخبراء لكشفه وإثباته أمام القضاء.