أعلنت شركة سعودي أوجيه، إحدى أعرق شركات المقاولات في المملكة، إنهاء عملياتها نهائيا في 2017 بعد 39 عاما من العمل، لتطوي صفحة إمبراطورية أسسها رفيق الحريري عام 1978 وكانت لعقود المقاول المفضل للمشاريع الملكية والحكومية الكبرى إلى جانب مجموعة بن لادن.
بدأت الأزمة مع انهيار أسعار النفط في 2014 الذي دفع الحكومة السعودية إلى تأجيل مشاريع البنية التحتية والمدفوعات للمقاولين، لكن مشاكل أوجيه كانت أعمق من ذلك. وبحلول منتصف 2016 بلغت متأخرات رواتب العمال نحو 3 مليارات ريال (800 مليون دولار)، وتوقفت الشركة عن دفع أجور أكثر من 30 ألف عامل لثمانية أو تسعة أشهر متتالية، بينهم آلاف الباكستانيين والفلبينيين والهنود المحتجزين في مخيمات عمالية بلا طعام أو كهرباء أحيانا.
واضطرت الحكومة السعودية إلى التدخل، فأنشأ الملك سلمان صندوقا بقيمة 100 مليون ريال لتوفير الغذاء والرعاية الطبية وتذاكر العودة للعمال، بينما أصدرت المحكمة التنفيذية حكما ألزم الشركة بدفع الأجور المستحقة عبر الحجز على ممتلكاتها وأصولها. وسافر مئات العمال الباكستانيين إلى بلادهم على متن رحلات وفرتها الحكومة السعودية دون أن يتقاضوا رواتبهم، مع وعود بتحصيل مستحقاتهم عبر القضاء.
وفي موازاة الأزمة الإنسانية، كانت الشركة غارقة في ديون مصرفية محلية قدرت بنحو 13 مليار ريال، وباعت حصصها في بنوك واستثمارات في محاولة يائسة لتوفير السيولة، قبل أن تتوقف تماما عن العمل. ونقلت وزارة العمل 1200 موظف سعودي وآلاف العمال الأجانب إلى شركات أخرى.
أثارت قضية أوجيه جدلا واسعا حول هشاشة نموذج الأعمال المعتمد كليا على الإنفاق الحكومي، وحول أوضاع العمالة الوافدة في ظل نظام الكفالة. كما سلطت الضوء على التداخل بين الثروة والسياسة، إذ تزامن انهيار الشركة مع الأزمة السياسية التي عصفت بسعد الحريري في لبنان والمنطقة، لتتحول واحدة من أنجح قصص المقاولات العربية إلى رمز لنهاية حقبة.
وبعد مفاوضات بين فرنسا والمملكة، حصل أكثر من 200 موظف فرنسي في الشركة في سبتمبر على ما يعادل تسعة أشهر من الرواتب، لكنها دفعت من الحكومة السعودية وليس من الشركة نفسها. أما آلاف العمال الآسيويين فعاد كثير منهم إلى بلادهم دون مستحقات، وقدرت محكمة في الرياض عام 2019 المطالبات العمالية المتبقية بنحو 2.6 مليار ريال، في ملف قضائي ما زال مفتوحا بعد سنوات من إغلاق الشركة.