أشعل دوري «ليف غولف» المدعوم من صندوق الاستثمارات العامة السعودي منذ انطلاقه عام 2022 أعنف انقسام في تاريخ الغولف الاحترافي، بعدما استقطب نجوما كبارا بعقود خيالية بعيدا عن جولة PGA العريقة، قبل أن يعلن الطرفان في 6 يونيو 2023 اتفاقا صادما لدمج مصالحهما التجارية وإنهاء الدعاوى المتبادلة.

اعتمد الدوري الجديد صيغة مختلفة ببطولات من 54 حفرة ولعب جماعي وانطلاقة جماعية، لكن عنصر الجذب الحقيقي كان المال، إذ تحدثت تقارير عن عقود بعشرات ومئات الملايين للاعبين مثل فيل ميكلسون وداستن جونسون وبروكس كوبكا، ثم جون رام لاحقا. في المقابل، رفض نجمان بحجم تايغر وودز وروري ماكلروي العروض، وتحول ماكلروي إلى الصوت الأبرز في الدفاع عن الجولة التقليدية.

ولم يكن الجدل رياضيا فقط، إذ واجه اللاعبون المنشقون اتهامات بقبول أموال مرتبطة بسجل السعودية في حقوق الإنسان، وتصدرت عائلات ضحايا هجمات 11 سبتمبر المشهد الإعلامي في الولايات المتحدة باعتبارها من أشد المعارضين للدوري. كما أثارت تصريحات منسوبة لميكلسون عن السعوديين، نشرها كاتب سيرته، عاصفة إعلامية اضطرته للاعتذار والابتعاد مؤقتا عن المنافسات.

ردت جولة PGA بتعليق عضوية اللاعبين المنضمين إلى الدوري الجديد، واشتعلت معركة قانونية وعلاقات عامة بين الطرفين، فيما وجد اللاعبون أنفسهم محرومين عمليا من نقاط التصنيف العالمي ومن فرص التأهل لبعض البطولات الكبرى، ما هدد مسيراتهم رغم الثروات التي جمعوها.

ثم جاءت المفاجأة الكبرى في يونيو 2023 حين أعلنت PGA وDP World Tour وصندوق الاستثمارات العامة اتفاقا لإنشاء كيان تجاري مشترك ينهي النزاعات، على أن يتولى محافظ الصندوق ياسر الرميان رئاسة مجلس إدارته. وقوبل الإعلان بصدمة وغضب بين لاعبين قالوا إنهم علموا به من وسائل الإعلام، وبين سياسيين أميركيين فتحوا تحقيقات وانتقدوا الاتفاق بشدة.

ومع مرور الوقت تعثرت مساعي تحويل التفاهم إلى اندماج كامل، واستمر الدوريان منفصلين، بينما واصلت «ليف» الإنفاق الضخم من دون تحقيق انتشار تلفزيوني يوازي حجم استثماراتها التي قدرتها تقارير صحفية بعدة مليارات من الدولارات. وبقيت البطولات الكبرى الأربع هي الجسر الوحيد تقريبا الذي يجمع نجوم المعسكرين في ملعب واحد.

وتختصر قصة «ليف غولف» معضلة الرياضة الحديثة بين الولاء للتقاليد وقوة رأس المال السيادي، إذ نجح المشروع السعودي في فرض نفسه طرفا لا يمكن تجاهله في معادلة الغولف العالمية، لكنه لم ينجح حتى الآن في تحويل هذا النفوذ المالي إلى قبول جماهيري ومؤسسي كامل، وما زال مستقبل اللعبة معلقا بين التسوية والاستمرار في حالة الانقسام.

ويشير محللون إلى أن الغولف لم يعد بعد هذه السنوات إلى ما كان عليه قبل 2022 مهما كانت نتيجة المفاوضات النهائية، فقد تغيرت سقوف الأجور وتوقعات اللاعبين وموازين القوى بين الجولات إلى غير رجعة. ولهذا السبب تحديدا ينظر إلى المشروع السعودي باعتباره نجح في هدفه الاستراتيجي الأعمق، وهو شراء مقعد دائم على طاولة القرار في رياضة عالمية نخبوية، حتى وإن ظل ثمن هذا المقعد وشرعيته الجماهيرية موضع جدل مفتوح في الإعلام الرياضي الغربي.