حصلت شركة «أفينيتي بارتنرز» التي أسسها جاريد كوشنر بعد أشهر من مغادرته البيت الأبيض على التزام استثماري بقيمة ملياري دولار من صندوق الاستثمارات العامة السعودي، في صفقة ذكرت تقارير أن لجنة فحص داخل الصندوق اعترضت عليها قبل أن يتجاوزها ولي العهد، وظلت منذ إعلانها محور تحقيقات برلمانية أميركية واتهامات بتضارب المصالح ينفيها كوشنر بشدة.

أسس كوشنر، صهر الرئيس دونالد ترامب ومستشاره السابق وأحد مهندسي اتفاقات أبراهام، شركته عام 2021 بعد ستة أشهر فقط من انتهاء ولاية ترامب الأولى. وسرعان ما جمعت الشركة التزامات من صناديق سيادية خليجية أخرى في قطر والإمارات، وأظهرت إفصاحات لاحقة أن الغالبية العظمى من رؤوس أموالها أجنبية المصدر، فيما تحدثت تقارير عن رسوم بعشرات الملايين حصلت عليها الشركة من الصندوق السعودي وحده خلال سنواتها الأولى.

وتمحور اعتراض منتقدي الصفقة حول توقيتها وخبرة كوشنر المحدودة في إدارة الاستثمارات الخاصة مقارنة بحجم الالتزام، وحول الدور الذي لعبه أثناء وجوده في البيت الأبيض في تعزيز العلاقات مع القيادة السعودية. وفتحت لجان في الكونغرس تحقيقات متتالية، ووصف مشرعون ديمقراطيون الوضع لاحقا بأنه تضارب مصالح صارخ يصعب علاجه، خصوصا مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض وعودة كوشنر للعب أدوار دبلوماسية غير رسمية.

أما كوشنر فدافع عن نفسه باستمرار قائلا إن الاستثمار السعودي تم بعد خروجه من الحكومة ومن دون أي نية أو توقع للعودة إلى الدبلوماسية، وإنه تشاور مع مستشاريه القانونيين في شأن الأخلاقيات، وإنه لم يتخذ قط إجراء دبلوماسيا لصالح شركته أو مستثمريه. كما أكد أنه لا يتقاضى راتبا من الحكومة عن أي أدوار تطوعية يلعبها وأنه يتحمل نفقاته بنفسه.

وفي 2026 عاد الملف إلى ذروة الجدل مع تقارير صحفية أميركية جديدة عن توسع محفظة أفينيتي إلى أكثر من ستة مليارات دولار وعن استثمارات غير مباشرة تربط أموالا خليجية بشركات إسرائيلية، ورد كوشنر ببيان مطول للتحقق من الوقائع نشره على الملأ، قائلا إن الناس يستطيعون الحكم بأنفسهم، ومتهما منتقديه بملاحقة نظريات مؤامرة بينما الحقيقة ظاهرة على حد قوله.

ولم تصدر أي جهة قضائية أميركية حكما يدين الصفقة أو يبطلها، فهي قانونيا استثمار خاص لمواطن خرج من منصبه، لكن الجدل حولها يتجدد مع كل دور دبلوماسي جديد يلعبه كوشنر في ملفات الشرق الأوسط، لأن مستثمريه الأكبر هم أنفسهم أطراف مباشرة في تلك الملفات ومصالحها.

وتختصر صفقة المليارين معضلة العصر الذهبي للصناديق السيادية، إذ تتحرك رؤوس أموال بعشرات المليارات عبر شبكات علاقات شخصية وسياسية يصعب فصلها عن النفوذ، وتبقى قصة أفينيتي المثال الأكثر تداولا عالميا على منطقة رمادية واسعة بين الاستثمار المشروع وتسييل سنوات الخدمة العامة، منطقة لم يحسم القانون الأميركي ولا السعودي حدودها حتى اليوم.

وعلى الجانب السعودي، نادرا ما تعلق الجهات المعنية على الجدل الأميركي الداخلي حول الصفقة، إذ ينظر إليها في الرياض باعتبارها استثمارا ضمن محفظة عالمية ضخمة تبحث عن مديرين متصلين بمراكز القرار في الغرب، وهي فلسفة لم تعد الصناديق السيادية الخليجية تخفيها. وبذلك تتحول أفينيتي إلى نافذة على منطق أوسع يحكم علاقة الخليج بواشنطن في عصرها الحالي، منطق تراهن فيه العواصم الثرية على أن رأس المال الذكي الموضوع في الأماكن الصحيحة قد يشتري من النفوذ ما لا تشتريه البيانات الرسمية ولا الزيارات البروتوكولية مهما تكررت.