خُطف 26 صياداً قطرياً وسعوديان، بينهم أفراد من الأسرة الحاكمة القطرية، من مخيم صيد بالصقور في صحراء المثنى جنوب العراق في ديسمبر 2015 على يد نحو مئة مسلح، ولم يُفرج عنهم إلا بعد 16 شهراً ضمن صفقة إقليمية معقدة مرتبطة بإجلاء بلدات محاصرة في سوريا، واستقبلهم أمير قطر في مطار الدوحة عام 2017.
اعتاد أثرياء الخليج السفر شتاء إلى صحارى العراق وباكستان وأفغانستان لصيد طائر الحبارى بالصقور المدربة، وهو تقليد تراثي باذخ يتطلب مخيمات كاملة بطواقم وخدمات في مناطق نائية. وفي فجر 16 ديسمبر 2015 اقتحمت قوة مسلحة كبيرة بعشرات الشاحنات الصغيرة مخيم القطريين في منطقة بصية قرب الحدود السعودية، واختطفت الصيادين بينما عجزت قوة الحماية العراقية الصغيرة المرافقة عن المقاومة.
لم تعلن أي جهة مسؤوليتها رسمياً، لكن مسؤولين ودبلوماسيين ربطوا الخطف بميليشيا عراقية موالية لإيران، واستخدام الرهائن ورقة ضغط على قطر الداعمة آنذاك لفصائل معارضة سورية تحاصر بلدتين شيعيتين في شمال سوريا. وأنكرت قطر أي تعليق رسمي مطول، وعملت دبلوماسيتها بصمت عبر بغداد وطهران ووسطاء لبنانيين، بينما أُفرج مبكراً عن أحد الصيادين وعامل آسيوي في أبريل 2016 من دون كشف التفاصيل.
ارتبط الإفراج النهائي بواحدة من أعقد صفقات الحرب السورية، عُرفت باتفاق البلدات الأربع؛ إذ تضمن إجلاء آلاف المدنيين والمقاتلين من الفوعة وكفريا المحاصرتين من المعارضة مقابل إجلاء مماثل من مضايا والزبداني المحاصرتين من النظام وحلفائه، بوساطة قطرية إيرانية. وتأخر التنفيذ أياماً بعد تفجير دموي استهدف قافلة إجلاء وأودى بحياة أكثر من مئة شخص أغلبهم مؤيدون للنظام وأطفال.
في أبريل 2017 تسلمت وزارة الداخلية العراقية الرهائن في بغداد، ونقلتهم طائرة قطرية خاصة إلى الدوحة حيث كان أمير قطر في استقبالهم بعناق علني نقلته قناة الجزيرة. وروى محررون لصحف قطرية فرحتهم برؤية أضواء الدوحة وكأن الحياة بدأت من جديد. وذكرت تقارير متداولة أن الصفقة تضمنت مدفوعات مالية ضخمة لجهات عدة، وهو ما لم تؤكده قطر رسمياً أبداً وبقي من أكثر عناصر القصة غموضاً.
أظهرت المحنة هشاشة هواية النخبة الخليجية المفضلة أمام جغرافيا الحروب؛ فالصحراء التي بدت مفتوحة للصيد كانت ساحة نفوذ ميليشيات ودول. كما أظهرت في المقابل قدرة الدوحة على التفاوض المتعدد الأطراف في ملفات رهائن وإجلاء، وهي خبرة استخدمتها لاحقاً في وساطات دولية أكبر.
عاد الصيادون إلى بيوتهم بعد 16 شهراً، لكن صور المخيم المهجور والصقور المصادرة بقيت رمزاً لزمن كان فيه ثراء الخليج يظن أن بوسعه شراء الأمان في أي صحراء، قبل أن تصححه ليلة واحدة في المثنى.
وبعد سنوات من الحادثة تراجعت رحلات الصيد الخليجية إلى جنوب العراق بشكل ملحوظ مع تشديد بغداد منح التصاريح واشتراط مرافقة أمنية أكبر، بينما استمر صيد الحبارى في باكستان تحت قيود مثيرة لجدل بيئي مواز. وحذر دعاة حماية الطبيعة من أن الطائر المستهدف مهدد أصلاً وأن هواية النخبة تستنزف أعداده في موائل هشة، لتضيف قضية الصيد الملكي بعداً بيئياً إلى أبعادها الأمنية والسياسية المعقدة.