في أغسطس 2024 اعتقلت السلطات الفرنسية مؤسس تيليغرام بافيل دوروف، الملياردير المقيم في دبي والحامل للجنسية الإماراتية، في مطار لو بورجيه قرب باريس، لتتحول قضيته إلى أزمة دولية تدخلت فيها الإمارات رسمياً بطلب خدمات قنصلية عاجلة له.
وجاء الاعتقال ضمن تحقيق قضائي فرنسي حول أنشطة غير قانونية يُزعم أنها تجري عبر منصة تيليغرام، وشملت الاتهامات الأولية بنوداً تتعلق بالتواطؤ في تسهيل معاملات غير مشروعة وعدم التعاون الكافي مع جهات إنفاذ القانون ومحتوى غير قانوني. وأُطلق سراحه لاحقاً بكفالة بلغت خمسة ملايين يورو مع منعه من مغادرة فرنسا وإلزامه بالمثول دورياً لدى الشرطة.
وأعلنت وزارة الخارجية الإماراتية أنها تتابع عن كثب قضية مواطنها دوروف، وأنها تقدمت بطلب رسمي إلى الحكومة الفرنسية لتقديم جميع الخدمات القنصلية اللازمة له بصورة عاجلة، مؤكدة أن رعاية المواطنين وحفظ مصالحهم أولوية قصوى للدولة. ويحمل دوروف جنسيات متعددة منها الفرنسية والإماراتية التي حصل عليها عام 2021، إلى جانب أصوله الروسية.
ونقل تيليغرام مقره الرئيسي إلى دبي عام 2017، ومنها يدير دوروف المنصة التي تجاوز عدد مستخدميها 900 مليون مستخدم حول العالم، وتقدر ثروته بمليارات الدولارات. ودافعت الشركة عن نفسها مؤكدة أن ممارساتها في الإشراف على المحتوى تتماشى مع معايير الصناعة والتشريعات الأوروبية، وأن تحميل مؤسسها مسؤولية إساءات المستخدمين أمر غير منصف.
وفي مارس 2025 سمح قاضٍ فرنسي لدوروف بمغادرة البلاد مؤقتاً لأسابيع، فأعلن عودته إلى دبي شاكراً القضاة وفريقه القانوني، ومؤكداً أن تيليغرام تجاوز لسنوات التزاماته القانونية في الإشراف ومكافحة الجريمة، مع استمرار العملية القضائية. وأدخلت المنصة بعد الاعتقال تعديلات على بعض أدواتها وسياساتها التي كانت محل انتقاد لسهولة إساءة استخدامها.
وأثارت القضية جدلاً عالمياً حول حدود مسؤولية منصات التواصل عن محتوى مستخدميها، وبين مدافعين عن حرية التعبير والخصوصية يرون في الاعتقال سابقة خطيرة، ومنتقدين يرون أن التشفير وغياب الإشراف حولا المنصة إلى ملاذ لأنشطة غير قانونية. وبقيت دبي في قلب القصة بوصفها موطن الرجل وقاعدة إمبراطوريته التقنية، وطرفاً دبلوماسياً رسمياً في متابعة مصيره.
وتكتسب متابعة الإمارات لقضية دوروف دلالة خاصة، لأنها تضع مواطنة المليارديرات التقنيين في قلب نقاش سيادي أوسع: فالدول التي تستقطب رواد التكنولوجيا بجنسيات وإقامات وبيئات أعمال مرنة تجد نفسها مطالبة بحمايتهم دبلوماسياً عندما يتعثرون قانونياً في دول أخرى. وفي الوقت نفسه، تظل دبي حريصة على صورتها كمركز تقني منفتح على العالم، لا كملاذ هارب من القضاء. وبين هذين الاعتبارين تحركت القضية وما زالت تتحرك، بينما يراقب قطاع التكنولوجيا العالمي نتيجتها النهائية في فرنسا بوصفها سابقة ستؤثر في كيفية تعامل مؤسسي المنصات الكبرى مع الحكومات وطلبات البيانات وقواعد الإشراف على المحتوى في السنوات المقبلة.
ومع استمرار الملف القضائي في فرنسا من دون حكم نهائي حتى الآن، يبقى مستقبل دوروف الشخصي ومستقبل منصته معلقين بين قاعات المحاكم الأوروبية ومقره في دبي، وبين ضغوط الحكومات المتصاعدة على شركات التكنولوجيا للتعاون في قضايا المحتوى غير القانوني وحماية القاصرين ومكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود.