كشف تحقيق صحفي لصحيفة «إل إنديبينديينتي» الإسبانية عن شبكة مالية أطلق عليها المحققون اسم «دبي بنك»، تحوّل فيها مهربو الكوكايين إلى وسطاء ماليين مقيمين في دبي، يقدمون خدمات مصرفية سرية لتمويل شحنات المخدرات الكبرى وغسل العائدات الإجرامية عبر عدة قارات. وأسفرت العملية الدولية عن توقيف 21 شخصًا وتجميد أصول تجاوزت 20 مليون يورو، بينها 48 عقارًا و121 حسابًا مصرفيًا، مع تحويل الأموال عبر العملات المشفرة إلى نقد.

وبدأت القضية في فبراير 2021 عندما اعترضت الشرطة الوطنية الإسبانية سفينة «نهير» قبالة السواحل الإسبانية وعلى متنها 1835 كيلوغرامًا من الكوكايين، لتلقي القبض على طاقمها المكون من تسعة أفراد. وبعد قطر السفينة إلى ميناء خيخون حيث غرقت لاحقًا، اكتشف المحققون شحنة مخفية ثانية بلغت 1650 كيلوغرامًا من الكوكايين، كان أفراد الشبكة قد تمكنوا من استعادتها من حطام السفينة الغارقة رغم المخاطر.

ومن تتبع الأموال التي موّلت تلك الشحنات، كشفت التحقيقات عن البنية المالية السرية التي أطلق عليها اسم «دبي بنك»، وهي نظام مصرفي غير رسمي كان يتيح للمنظمات الإجرامية تحويل مبالغ ضخمة بين الدول في فترات قصيرة لتمويل شحنات المخدرات. ووفقًا لوكالة يوروبول التي دعمت التحقيق، فقد نفّذت السلطات الإسبانية عملية كبرى في يوليو 2026 أسفرت عن 15 توقيفًا داخل إسبانيا، بينما نُفّذت ستة توقيفات أخرى بموجب مذكرات دولية، بينها أربعة في الإمارات وواحد في مصر وآخر في هولندا.

ومن بين الموقوفين شخصية قيادية في الشبكة صنّفتها يوروبول «هدفًا عالي القيمة» لدوره المزعوم في تقديم الخدمات المالية لعمليات تهريب مخدرات كبرى حول العالم. كما شملت الأصول المجمدة عقارات بقيمة تجاوزت 14 مليون يورو ومركبات فاخرة بأكثر من 1.6 مليون يورو، إضافة إلى الحسابات المصرفية الـ121 التي احتوت على نحو 2.3 مليون يورو.

وتُعد هذه العملية من أكبر الضربات الموجهة للبنى المالية السرية لعصابات المخدرات العالمية، إذ استهدفت للمرة الأولى «المصرفيين» الذين يديرون أموال التهريب بدلًا من الاكتفاء بملاحقة المهربين أنفسهم. وما تزال التحقيقات مستمرة، ولم تُحسم الاتهامات الموجهة للموقوفين بشكل نهائي أمام القضاء بعد.

وما ميّز هذه العملية عن سابقاتها هو تركيزها على البنية المالية للجريمة المنظمة بدلًا من الاكتفاء بملاحقة المهربين، إذ نفذت الشرطة الإسبانية تحقيقًا رائدًا في تتبع العملات المشفرة بالتعاون مع يوروبول وأجهزة من هولندا وبلجيكا والولايات المتحدة وبريطانيا. وتمكن المحققون المتخصصون من تحليل الأصول المشفرة وتحديد الدفعة المالية الدقيقة التي سُددت مقابل شحنة الكوكايين على متن السفينة «نهير»، ما فتح الباب أمام كشف الشبكة المالية بأكملها. ووصف مسؤولو يوروبول الموقوف القيادي في الشبكة بأنه من «أسياد» الاتجار العالمي بالمخدرات، في إشارة إلى المستوى الرفيع الذي بلغه هؤلاء «المصرفيون» في هرم الجريمة المنظمة. وتُعد هذه الضربة رسالة واضحة بأن الأنظمة المصرفية السرية التي تخدم عصابات المخدرات باتت في مرمى أجهزة إنفاذ القانون الدولية، التي طورت قدراتها على تتبع الأموال عبر العملات المشفرة والأنظمة المالية الموازية.