بيعت لوحة «سالفاتور موندي» المنسوبة إلى ليوناردو دافنشي في مزاد كريستيز بنيويورك في 15 نوفمبر 2017 مقابل 450.3 مليون دولار، وهو أعلى سعر يدفع في عمل فني في التاريخ، قبل أن تكشف تقارير أن المشتري هو الأمير بدر بن عبد الله آل سعود، وأنه قدم العرض نيابة عن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بحسب مسؤولين أميركيين.
وأثار اسم المشتري ضجة عالمية لأسباب عدة، أولها التوقيت، إذ جاءت الصفقة بعد نحو أسبوعين فقط من إطلاق حملة مكافحة الفساد التي احتجز بموجبها عشرات الأمراء ورجال الأعمال في فندق ريتز كارلتون بالرياض، ما جعل مراقبين يتساءلون عن الرسائل المتضاربة بين خطاب التقشف وشراء أغلى لوحة في التاريخ.
كما أثار موضوع اللوحة نفسه حساسية خاصة، فهي تصور السيد المسيح رافعا يده بالبركة وحاملا كرة بلورية، وكان مقررا عرضها في متحف اللوفر أبوظبي الذي أعلن أنها في طريقها إليه. لكن موعد الكشف عنها في سبتمبر 2018 أجل إلى أجل غير مسمى، ولم تعرض في معرض دافنشي الكبير في باريس عام 2019، وانقطعت أخبار مكانها حتى تحدثت تقارير عن وجودها على متن يخت ولي العهد.
ولا يتوقف الجدل عند المشتري والمكان، إذ يختلف خبراء الفن حول نسبة اللوحة إلى دافنشي نفسه، بين من يراها عملا أصيلا للفنان ومن يراها عملا لورشة تلاميذه بلمسات محدودة من المعلم. وكانت اللوحة قد بيعت عام 1958 بمبلغ زهيد باعتبارها نسخة، ثم اشتراها تجار فن عام 2005 بأقل من 1200 دولار قبل أن تخضع لترميم طويل وتقدم للعالم عام 2011 في معرض بالمعرض الوطني في لندن.
وفي رحلتها قبل المزاد التاريخي، تنقلت ملكية اللوحة بين تاجر الفن السويسري إيف بوفييه والملياردير الروسي ديمتري ريبولوفليف بأسعار تصاعدت من 80 إلى 127.5 مليون دولار، في سلسلة صفقات أصبحت لاحقا مادة لنزاعات قضائية شهيرة في عالم الفن حول العمولات الخفية.
أما الأمير بدر، الذي أصبح لاحقا أول وزير للثقافة في السعودية، فلم يكن اسما معروفا في سوق الفن قبل المزاد، وذكرت تقارير أنه قدم وديعة بقيمة 100 مليون دولار قبل المزاد بيوم واحد لتأهيله للمزايدة، وأنه عرف نفسه لمسؤولي كريستيز بأنه يعمل في العقارات وأنه واحد من آلاف الأمراء السعوديين.
وما زالت «سالفاتور موندي» حتى اليوم اللوحة الأكثر غموضا في العالم، فهي الأغلى ثمنا والأقل ظهورا، وتحولت قصتها إلى رمز لالتقاء المال السيادي بأسرار سوق الفن العالمي، وبينما يترقب عالم المتاحف ظهورها العلني الأول منذ 2017، يبقى مصيرها ومكانها الحقيقي لغزا لم تحسمه أي جهة رسمية بشكل كامل.
ويؤكد خبراء سوق الفن أن غياب اللوحة الطويل عن العرض العام يضر بقيمتها العلمية والتاريخية مهما حافظ على قيمتها المالية غامضة، لأن أعمال دافنشي القليلة المتبقية ملك للإنسانية بقدر ما هي ملك لمالكيها القانونيين. ولهذا يتجدد الضغط الإعلامي كلما أعلن عن معرض عالمي كبير لدافنشي من دون أن تكون سالفاتور موندي على قائمة معروضاته، في تذكير سنوي بأن أغلى لوحة في التاريخ ما زالت أيضا أكثر لوحات العالم إثارة للحيرة والأسئلة المعلقة بلا إجابة.