كشفت وثائق رسمية وتصريحات حديثة كواليس واحدة من أكثر صفقات كرة القدم إثارة للجدل في السنوات الأخيرة: انهيار العرض القطري لشراء نادي مانشستر يونايتد الإنجليزي، الذي قاده الشيخ جاسم بن حمد آل ثاني عبر مؤسسة «ناين تو».
بدأت القصة في نوفمبر 2022 عندما أعلنت عائلة غليزر المالكة للنادي أنها تدرس «بدائل استراتيجية» تشمل البيع الكامل. ودخل الشيخ جاسم — المصرفي القطري ونجل رئيس الوزراء الأسبق — السباق بعرض طموح: نحو 5 مليارات جنيه مقابل 100% من النادي، مع التعهد بسداد جميع الديون وتمويل تجديد ملعب أولد ترافورد وتطوير الفريق. وبدا العرض القطري في مرحلة ما الأوفر حظاً، مدعوماً بآلة علاقات عامة ضخمة أوحت بقرب إتمام الصفقة.
لكن وثيقة قُدمت لاحقاً إلى هيئة الأوراق المالية الأمريكية (SEC) كشفت وجهاً آخر للقصة: فعلى مدى سلسلة العروض المعدّلة في ربيع 2023، لم يقدم الجانب القطري قط «خطابات الالتزام التمويلي المعتادة» التي تُعد إجراءً معيارياً في مثل هذه الصفقات. وبعد أن طلب مجلس إدارة النادي أدلة كافية على التمويل قبل مواصلة التفاوض، لم تصل الأوراق أبداً، لينسحب الشيخ جاسم من السباق في 15 أكتوبر 2023.
وكان رد فعل السوق فورياً وقاسياً: هوى سعر سهم النادي بنسبة وصلت إلى 22% في التداولات المبكرة صباح إعلان الانسحاب، قبل أن يقلّص خسائره لاحقاً. وفتح الانسحاب الباب أمام الملياردير البريطاني جيم راتكليف، الذي استحوذ على حصة 25% مقابل 1.3 مليار جنيه، مع تولي مجموعته «إنيوس» إدارة العمليات الكروية.
وفي تصريحات لاحقة لصحيفة «ذا تايمز»، كشف جو رافيتش، الشريك المؤسس لمجموعة «راين» التي أشرفت على البيع، تفاصيل جديدة: «التقينا جاسم في نيويورك.. القطريون كانوا جادين وأذكياء. عرضوا ما اعتبروه عروضاً جدية للغاية». وأوضح أن أعلى عروضهم بلغ نحو 5.75 مليار دولار، «وقلنا لهم: أنتم على بعد 10% فقط، لماذا لا تجلسون إلى طاولة واحدة؟ لكنهم رفضوا. أعتقد أنهم كانوا حريصين على عدم الظهور بمظهر من يدفع أكثر من القيمة الحقيقية».
وأضاف رافيتش: «نعتقد أنهم كانوا سيكونون مالكين جيدين، لكننا نرى أن عائلة غليزر اتخذت القرار الصحيح بعدم قبول القيمة الأقل». وبحسب تقارير حديثة، لا ينوي الشيخ جاسم التقدم بعرض جديد رغم تدهور أوضاع النادي وغيابه عن البطولات الأوروبية، متمسكاً بموقفه الأصلي: الشراء الكامل أو لا شيء.
وكشفت وثيقة الـSEC أن مجموعة «راين» تواصلت مع أكثر من 170 طرفاً محتملاً، ووقّعت اتفاقيات سرية مع 26 منهم، قبل أن يتأهل ثمانية — بينهم الشيخ جاسم وراتكليف — للمرحلة النهائية. ورغم الآلة الإعلامية القطرية الصاخبة التي أوحت بقرب الحسم، خلصت الوثيقة إلى أن العروض القطرية «لم تتضمن قط» خطابات الالتزام التمويلي المعتادة.
وانقسم مشجعو يونايتد حول الصفقة: رأى فيها كثيرون خلاصاً من عائلة غليزر المكروهة وبوابة لأمجاد «مان سيتي» بمال خليجي، بينما أبدى آخرون انزعاجاً أخلاقياً من الارتباط بدولة تُجرّم المثلية وتثير قلق المنظمات الحقوقية. وبين المال والأخلاق، حسمت غليزر الأمر لصالح العرض «الأقل قيمة» — لكن الأكثر جدية تمويلياً.
وتبقى الصفقة الفاشلة درساً في أن المال وحده لا يشتري الأندية الكبرى: فبين متطلبات الشفافية المالية، وحسابات السمعة، وتعقيدات البائعين، تحوّل الحلم القطري بغزو الدوري الإنجليزي — حيث تملك أبوظبي مانشستر سيتي والسعودية نيوكاسل — إلى واحدة من أشهر الصفقات التي لم تتم.