في صفقة سرية عام 2011 اشترت العائلة المالكة القطرية لوحة «لاعبو الورق» لبول سيزان من ورثة الملياردير اليوناني جورج إمبيريكوس بأكثر من 250 مليون دولار، لتصبح أغلى عمل فني في التاريخ حينها. قادت الشيخة المياسة بنت حمد آل ثاني عبر «متاحف قطر» سباق التسلح الفني الخليجي بميزانية قيل إنها تبلغ مليار دولار سنوياً، واضعة الدوحة على خريطة سوق الفن العالمي من أوسع أبوابه.
تنتمي اللوحة إلى سلسلة «لاعبو الورق» الشهيرة التي رسمها سيزان بين 1890 و1895 وتُعدّ من أهم أعمال ما بعد الانطباعية، وهي واحدة من خمس نسخ موزعة على متاحف عالمية. أما النسخة القطرية، المرسومة قرابة 1895، فظلت لعقود في مجموعة خاصة نادراً ما تُعرض، إذ رفض مالكها اليوناني إعارتها حتى لمعرض سيزان الكبير في متحف المتروبوليتان عام 2010. وبعد وفاة إمبيريكوس شتاء 2011 تولّت تركته مفاوضات البيع، وكشفت مجلة «فانيتي فير» أن تاجرين عرضا أكثر من 220 مليون دولار، لكن العائلة المالكة القطرية حسمت الصفقة بمبلغ 250 مليوناً دون مساومة، فيما قدّرت بعض التقارير السعر بما يصل إلى 300 مليون دولار.
وقفت وراء الصفقة الشيخة المياسة بنت حمد آل ثاني، رئيسة مجلس أمناء «متاحف قطر» منذ 2006 وخريجة جامعة ديوك، التي حوّلت المؤسسة إلى أقوى مشترٍ مؤسسي في سوق الفن العالمي بإنفاق سنوي قُدّر بنحو مليار دولار. ومن أبرز صفقاتها لوحة «المركز الأبيض» لمارك روثكو مقابل 72.8 مليون دولار عام 2007، ولوحة «متى ستتزوجين؟» لبول غوغان مقابل 300 مليون دولار عام 2015، بالتوازي مع بناء صروح ثقافية كبرى مثل متحف الفن الإسلامي (2008) ومتحف (2010) ومتحف قطر الوطني (2019).
لم تُعرض اللوحة للجمهور منذ بيعها ولم يُكشف رسمياً عن مكانها، ويُعتقد أنها في المجموعة الملكية الخاصة. وقد مثّل سعرها القياسي لحظة فارقة أشعلت سباق التسلح الفني في الخليج، حيث دخلت أبوظبي والرياض لاحقاً على خط الصفقات القياسية، ورسّخت الدوحة مكانتها كعاصمة ثقافية تنافس لندن ونيويورك وباريس في اقتناء روائع الفن العالمي.
واليوم تُروى صفقة «لاعبو الورق» كنموذج للدبلوماسية الثقافية القطرية: استثمار ضخم في الرمز الثقافي العالمي لبناء نفوذ ناعم يتجاوز أسعار النفط والغاز، وتحويل الثروة الهيدروكربونية إلى إرث حضاري دائم تحرسه متاحف الدوحة.
ولم يصمد الرقم القياسي طويلاً في سوق الفن المحموم؛ إذ اشترت قطر نفسها لوحة «متى ستتزوجين؟» لبول غوغان مقابل 300 مليون دولار عام 2015، ثم حطّم الأمير السعودي بدر بن عبد الله الرقم بلوحة «سالفاتور مندي» لليوناردو دافنشي مقابل 450 مليون دولار عام 2017. لكن صفقة سيزان بقيت لحظة التحوّل التي أعلنت دخول الخليج نادي الكبار في سوق الفن، ومهّدت لعصر المزادات القياسية التي تُقاس فيها القوة الناعمة بملايين الدولارات.