في عام 2024 أجهضت الحكومة البريطانية فعلياً محاولة شركة ريدبيرد آي إم آي، المدعومة بأغلبية من الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، الاستحواذ على صحيفتي تلغراف وسبكتيتر، بعد أن دفعت الصفقة لندن إلى تشريع حظر على ملكية الدول الأجنبية للصحف البريطانية.
وبدأت القصة عام 2023 عندما توصلت ريدبيرد آي إم آي، وهي مشروع مشترك بين ريدبيرد كابيتال الأمريكية وشركة الاستثمارات الإعلامية الدولية آي إم آي المملوكة للشيخ منصور في أبوظبي، إلى اتفاق للسيطرة على مجموعة تلغراف عبر سداد ديون مستحقة لبنك لويدز عن عائلة باركلي المالكة السابقة، بدلاً من مزاد تقليدي لبيع الصحيفة العريقة.
وأثار الاتفاق عاصفة سياسية في البرلمان البريطاني، إذ حذرت أصوات من مختلف الأحزاب من منح دولة أجنبية نفوذاً على صحيفة محافظة كبرى تشكل الرأي العام البريطاني منذ أكثر من قرن ونصف. وأحالت وزيرة الثقافة آنذاك لوسي فريزر الصفقة إلى الجهات التنظيمية لأسباب تتعلق بالمصلحة العامة وحرية الصحافة، فتجمدت العملية وتركت ملكية الصحيفة في حالة فراغ.
ودافعت ريدبيرد آي إم آي عن نفسها مؤكدة أن استثمار الشيخ منصور شخصي، وتعهدت بهيكل تحريري مستقل يمنع أي تدخل في المحتوى، وقاد الصفقة تنفيذي إعلامي أمريكي معروف سبق أن أدار شبكة سي إن إن. غير أن الحجج لم تبدد القلق السياسي المتصاعد في لندن من تنامي النفوذ الإعلامي والمالي الخليجي في بريطانيا.
وجاءت الضربة الحاسمة عندما أعلنت الحكومة عزمها حظر ملكية أو نفوذ أو سيطرة أي دولة أجنبية على الصحف والمجلات الإخبارية البريطانية، عبر تعديل تشريعي وُصف علناً بأنه رد مباشر على صفقة تلغراف. واستقر التشريع لاحقاً على سقف لا يتجاوز 15 في المئة لملكية الدول الأجنبية، وهو ما جعل استحواذ آي إم آي بأغلبيتها مستحيلاً قانوناً.
وبعد سنوات من الجمود، أُعلن عام 2025 عن اتفاق جديد تشتري بموجبه ريدبيرد كابيتال الصحيفة بنحو 675 مليون دولار، مع بقاء آي إم آي مساهماً أقلية فقط ورهناً بالموافقات، لتخرج أبوظبي من موقع السيطرة إلى موقع الشريك الصغير في الصفقة التي كانت قد صممتها ومولتها أصلاً.
وتعد قضية تلغراف نموذجاً كلاسيكياً لحدود القوة الناعمة المالية: فالمال السيادي الخليجي مرحب به في الأندية والموانئ والطاقة والعقارات، لكنه يصطدم بخط أحمر عندما يقترب من ملكية الصحف الوطنية الكبرى. وبالنسبة للشيخ منصور، الذي يملك مانشستر سيتي ويدير من أبوظبي إمبراطورية إعلامية تشمل سكاي نيوز عربية، كانت الصفقة الخاسرة درساً في أن بعض الأبواب لا تفتحها الشيكات مهما كبرت.
وتتصل قضية تلغراف أيضاً بسياق بريطاني أوسع من القلق تجاه الاستثمارات السيادية في الأصول الحساسة، شمل في السنوات الأخيرة ملفات في الاتصالات والطاقة والأندية الرياضية والجامعات. غير أن الصحف احتلت مكانة خاصة في هذا الجدل، لأنها ليست أصلاً اقتصادياً فقط، بل أداة تشكيل للرأي العام والانتخابات والسياسات. ولذلك كان من الأسهل سياسياً تمرير حظر شبه كامل على ملكيتها الأجنبية الرسمية مقارنة بأي قطاع آخر. أما في أبوظبي، فقد قُرئ القرار بوصفه رسالة مزدوجة: الاستثمارات مرحب بها والشراكة الاستراتيجية قائمة، لكن النفوذ على المؤسسات التي تصنع الوعي العام البريطاني خط لا يمكن تجاوزه حتى لأقرب الحلفاء الاقتصاديين.