كشفت تحقيقات صحفية دولية أن جون بابيكيان، المحتال الكندي الهارب من قضية تلاعب بالأسهم في أمريكا الشمالية، عاش حياة ثانية في دبي باسم جيمس ميلر، واشترى عام 2022 شقة فاخرة في نخلة جميرا بقيمة 4.6 مليون دولار.

واشتهر بابيكيان في كندا والولايات المتحدة بعملية ترويج مضللة لأسهم رخيصة حقق منها ملايين الدولارات، قبل أن تأمر هيئة الأوراق المالية الأمريكية بتجميد أصوله، ومنها طائرة خاصة من طراز غلوبال 5000 تقدر قيمتها بنحو 50 مليون دولار، إلى جانب سيارات فاخرة وعقارات في هوليوود هيلز وبيفرلي هيلز ومونتريال وجزر البهاما، بحسب سجلات القضايا ضده.

وسعت سلطات الضرائب الكندية لسنوات إلى ملاحقته عن دخل مخفي، بينما اختفى هو عن الأنظار وظهر لاحقاً بوثائق باسم جديد. وبحسب التحقيقات الصحفية، حصل على جواز سفر كندي باسم جيمس ميلر عام 2019 بشكل قانوني، وظهر الاسم الجديد رسمياً لأول مرة في ملفات قضية ضابط استخبارات نمساوي سابق يدعى مارتن فايس، الذي أقر بأن بابيكيان أرسل إليه نسخ وثائق لمساعدته في الحصول على جنسية أخرى.

وربط الصحفيون الاسم الجديد بسجلات عقارية في دبي، ليجدوا أن ميلر اشترى عام 2022 شقة في مشروع ون آت بالم في نخلة جميرا، الجزيرة الاصطناعية التي تحولت إلى عنوان عالمي لإقامات الأثرياء والمشاهير والهاربين من الملاحقات على حد سواء. كما تبين حصوله على إقامة في لاتفيا على أساس استثمارات، بحسب مركز صحافة استقصائية في دول البلطيق.

وتعيد القصة إحياء الجدل القديم حول دور دبي كملاذ مالي وعقاري لأصحاب الثروات المتنازع عليها من أنحاء العالم، إذ تتيح سوقها العقارية الفاخرة شراء أصول بملايين الدولارات عبر هياكل ووثائق يصعب ربطها أحياناً بأصحابها الأصليين، بينما تؤكد الإمارات باستمرار تشديدها لقواعد مكافحة غسل الأموال ومعرفة العميل خلال السنوات الأخيرة.

ولم تعلن السلطات الإماراتية أي إجراء علني بحق بابيكيان بشخصيته الجديدة، وتبقى تفاصيل وجوده في دبي مستندة إلى تحقيقات صحفية وسجلات عقارية ووثائق قضائية أجنبية، لا إلى اتهام محلي. وهذا بالضبط ما يجعل قصته نموذجاً لثغرة العصر: رجل مطلوب في قارة، ومقيم فاخر في قارة أخرى، والرابط الوحيد بينهما ورقة باسم مختلف.

وبين شقة النخلة والطائرة المجمدة والضرائب المطاردة، تلخص حياة بابيكيان الثانية معضلة إنفاذ القانون عبر الحدود في زمن العولمة المالية، حيث تتحرك الأموال والأسماء أسرع بكثير من مذكرات التوقيف، وحيث تحتاج الصحافة الاستقصائية سنوات من تتبع السجلات لتقول ببساطة إن الرجلين اللذين يفصل بينهما المحيط هما في الحقيقة شخص واحد.

وتزامنت إعادة اكتشاف قصة بابيكيان مع تشديد عالمي على شفافية الملكية العقارية، إذ تتعرض مدن الرفاهية الكبرى، من لندن ونيويورك إلى دبي، لضغوط متزايدة للإفصاح عن الملاك الحقيقيين للعقارات الفاخرة المشتراة عبر شركات وأسماء واجهة. وقد أدخلت الإمارات في السنوات الأخيرة سجلات للمستفيد الحقيقي وقواعد أكثر صرامة للإبلاغ عن المعاملات المشبوهة، استجابة لتقييمات دولية في مجال مكافحة غسل الأموال. ومع ذلك، تبقى حالات مثل هذه شاهداً على أن السوق العقارية العالمية ما زالت تحمل ثغرات تسمح لرجل مطلوب في بلد ما بأن يبدأ حياة جديدة كاملة في بلد آخر، قبل أن تلتقط الصحافة الاستقصائية الخيط الذي يربط بين الحياتين.