تستعد السعودية لإلغاء نسخة العام المقبل من حفل «جوي أووردز»، الحفل الجماهيري الأبرز في المملكة الذي يُوصف بأنه النسخة السعودية من جوائز الأوسكار والغرامي، وذلك في ظل ضغوط مالية متصاعدة وتداعيات الحرب الدائرة مع إيران على قطاع الترفيه الناشئ في البلاد. ونقلت وكالة رويترز في الرابع من أكتوبر 2026 عن مصدرين مطلعين أن القرار يأتي ضمن موجة أوسع من إلغاء الفعاليات وتأجيلها، في وقت تعيد فيه الرياض ترتيب أولويات الإنفاق وتخفض ميزانيات الثقافة والترفيه.
ويُقام الحفل عادة في شهر يناير، وقد تحوّل خلال سنوات قليلة إلى جوهرة التاج في روزنامة الرياض السنوية، إذ استقطب نجوماً عالميين مثل كاتي بيري وروبي ويليامز في نسخة هذا العام، ويوزع جوائز في مجالات الموسيقى والترفيه والرياضة. وينظم الحفل كل من الهيئة العامة للترفيه ومجموعة «إم بي سي» الإعلامية، وقد امتنع متحدث باسم الهيئة عن التعليق على تقرير رويترز، كما لم ترد «إم بي سي» ولا المكتب الإعلامي للحكومة السعودية على طلبات التعليق.
ويقول مراقبون إن تخفيضات الميزانية كانت محسوسة في القطاع قبل اندلاع الحرب أصلاً، لكن الحرب مع إيران عمّقت الأزمة وقوّضت جهود ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لتحويل المملكة إلى وجهة سياحية ومركز عالمي للفعاليات ضمن رؤية 2030. ونقلت رويترز عن مازن هيك، المستشار الإعلامي المقيم في دبي، قوله إن «الحرب وتداعياتها الأوسع تدفع دول الخليج حتماً إلى إعادة تقييم أولويات الإنفاق»، مضيفاً أن بعض هذه الفعاليات صُممت أصلاً كأدوات للظهور الدولي والقوة الناعمة، لكن الحكومات باتت توازن تلك الأهداف مقابل أولويات وطنية أخرى.
ولا يقف الأمر عند «جوي أووردز»؛ إذ شهد القطاع سلسلة إلغاءات وتأجيلات متتالية. فقد أُجّل مهرجان البحر الأحمر السينمائي إلى 2027، وأُلغي مهرجان «ساوندستورم» الموسيقي الذي كان مقرراً في ديسمبر، من دون إبداء أسباب. وعلى صعيد المشاريع الكبرى، جرى تقليص مشروع «ذا لاين» في نيوم أو تأجيله إلى أجل غير مسمى، وتجميد خطط بناء ملعب نيوم المونديالي، كما سحبت الحكومة تمويلها من مشاريع مثل دوري «ليف غولف» بعد إنفاق أكثر من 5 مليارات دولار على إطلاقه.
وتثير هذه التطورات تساؤلات واسعة حول مستقبل الطفرة الترفيهية التي قادتها المملكة خلال السنوات الماضية، والتي أنفقت فيها مليارات الدولارات على استقطاب نجوم العالم وفعالياته الكبرى. فبينما ترى الرياض أن إعادة ترتيب الأولويات خطوة ضرورية في ظروف استثنائية، يحذر مراقبون من أن استمرار الإلغاءات قد يضعف الزخم الذي بنته المملكة بصعوبة في سباق المنافسة الإقليمية على استضافة الفعاليات العالمية، ويعيد فتح النقاش حول استدامة نموذج الترفيه القائم على الإنفاق الحكومي السخي.
انطلق «جوي أووردز» قبل سنوات قليلة ضمن الفعاليات الكبرى التي تقودها الهيئة العامة للترفيه، وسرعان ما تحوّل إلى أهم ليلة فنية في المملكة، إذ يجمع في مكان واحد نجوم الغناء والتمثيل والرياضة وصناع المحتوى من العالم العربي والعالم، ويوزع جوائز في فئات تشمل الموسيقى والمسلسلات والسينما والرياضة. وكان الحفل مناسبة سنوية ينتظرها الجمهور لرؤية نجومه المفضلين على السجادة الخزامية في الرياض، وللاحتفاء بالأعمال الأكثر تأثيراً خلال العام.
ولا يمكن فهم قرار الإلغاء المحتمل بمعزل عن الصورة الأوسع التي رسمها تقرير رويترز؛ فالقائمة تطول: مشروع «ذا لاين» العملاق في نيوم الذي جرى تقليصه بشكل جذري، ومشروع «المكعب» الطموح في الرياض بتكلفة تُقدَّر بنحو 50 مليار دولار، وسحب التمويل الحكومي من دوري «ليف غولف» بعد إنفاق أكثر من 5 مليارات دولار على إطلاقه، وتجميد خطط ملعب نيوم المونديالي، وتأجيل مهرجان البحر الأحمر السينمائي إلى 2027، وإلغاء مهرجان «ساوندستورم» الموسيقي. وكلها مؤشرات على أن الرياض تعيد حساباتها جذرياً في ملف الإنفاق الترفيهي والثقافي.
ويزيد صمت الجهات المعنية منسوب التكهنات؛ فلا الهيئة العامة للترفيه ولا مجموعة «إم بي سي» علّقتا على التقرير، ما ترك الباب مفتوحاً أمام الأسئلة: هل الإلغاء نهائي أم تأجيل اضطراري؟ وهل ستعود النسخة في 2028 إذا تحسنت الظروف؟ بالنسبة لعشاق الحفل، يمثل الغياب خسارة ليلة كانوا يعتبرونها عيداً سنوياً للفن العربي، وبالنسبة للفنانين العرب خسارة منصة كانت تمنحهم حضوراً إقليمياً ودولياً واسعاً.
ويرى محللون أن الاختبار الحقيقي لقطاع الترفيه السعودي يبدأ الآن؛ فالسنوات الماضية بُنيت على الإنفاق الحكومي السخي، أما المرحلة المقبلة فستكشف ما إذا كان القطاع قادراً على الاستمرار بزخم أقل واعتماد أكبر على الاستدامة التجارية. وبينما تؤكد الرياض أن إعادة ترتيب الأولويات ضرورة فرضتها الظروف الاستثنائية، يحذر آخرون من أن استمرار الإلغاءات قد يبدد المكاسب التي تحققت بصعوبة في سباق المنطقة على استضافة الفعاليات العالمية.
وأثار الخبر موجة حزن واسعة في الوسط الفني العربي؛ فالحفل الذي كان يُقام في يناير من كل عام تحوّل إلى موعد ينتظره الفنانون والإعلاميون، ليس فقط للجوائز، بل للقاءات والظهور الإعلامي الذي يمنحه. وبالنسبة للفنانين الصاعدين، كان «جوي أووردز» منصة نادرة تمنحهم حضوراً إقليمياً واسعاً إلى جانب نجوم الصف الأول، وغيابه يعني خسارة تلك النافذة الذهبية. كما أن الجمهور الذي اعتاد متابعة الليلة الأبرز فنياً في المملكة سيفتقد طقساً سنوياً أصبح جزءاً من ذاكرته الترفيهية.
ويبقى السؤال الأكبر حول مستقبل روزنامة الرياض الترفيهية ككل؛ فموسم الرياض الذي كان محرك الطفرة الترفيهية يواجه اليوم معادلة صعبة بين الحفاظ على الزخم الجماهيري والتكيف مع واقع مالي جديد. ويرى متفائلون أن التقشف قد يدفع نحو فعاليات أكثر استدامة وأقل اعتماداً على الإنفاق الحكومي المباشر، بينما يحذر متشائمون من أن فقدان الفعاليات الأيقونية واحدة تلو الأخرى قد يصيب صورة المملكة الترفيهية بضرر يصعب إصلاحه. وبين الرأيين، ينتظر الجميع ما ستسفر عنه الأشهر المقبلة: هل يكون إلغاء «جوي أووردز» سحابة صيف عابرة، أم أول الغيث في شتاء ترفيهي طويل؟
ويرى خبراء صناعة الترفيه أن المرحلة المقبلة ستفرز الفعاليات القادرة على تمويل نفسها من تلك المعتمدة كلياً على الدعم الحكومي؛ فالحفلات التي تبني قاعدة جماهيرية حقيقية وإيرادات تذاكر مستدامة ستصمد، بينما ستختفي تلك التي وُجدت بقرار إداري. وفي هذا السياق، يمثل «جوي أووردز» حالة اختبار مثيرة: فهو حفل يملك جماهيرية حقيقية، لكن تكلفته الباهظة — باستقطاب نجوم عالميين وتنظيم على مستوى عالمي — تجعله أول ضحايا التقشف. فهل تعيده الظروف الأفضل؟ أم أن زمن الحفلات الأسطورية بميزانيات مفتوحة قد ولّى؟