شهدت حلبة لوسيل في أكتوبر 2023 واحدة من أكثر ليالي الفورمولا 1 قسوة في التاريخ الحديث، عندما تحولت جائزة قطر الكبرى إلى اختبار بقاء للسائقين تحت حرارة ورطوبة وصفت بأنها تجاوزت كل الحدود المقبولة، في ثاني نسخة فقط من السباق القطري ضمن عقد يمتد عشر سنوات.
وبدأت ملامح الكارثة تتكشف مع تجاوز حرارة قمرة القيادة 50 درجة مئوية خلال سباق امتد 57 لفة واستغرق ساعة و28 دقيقة. فالفرنسي إستيبان أوكون تقيأ داخل سيارته مرتين ومع ذلك أكمل السباق لينهيه سابعا، بينما اضطر الأمريكي لوجان سارجنت للانسحاب في اللفة الثانية والأربعين بعد إصابته بضربة شمس وجفاف حاد، فاقمته أعراض إنفلونزا كان يعاني منها قبل السباق. أما الكندي لانس سترول فقال إنه كان «يفقد الوعي» داخل السيارة وعانى من تشوش الرؤية، وشوهد يترنح نحو سيارة إسعاف بعد خروجه من سيارته، بينما نُقل زميل سارجنت في فريق ويليامز أليكس ألبون إلى المركز الطبي لعلاجه من تعرض حاد للحرارة.
وعبر السائقون عن غضبهم بصوت عال بعد السباق. وقال البريطاني جورج راسل، سائق مرسيدس ومدير رابطة السائقين، إن السباق كان «تجاوزا للحد المقبول»، مضيفا أن أكثر من نصف السائقين شعروا بالمرض وكانوا على وشك الإغماء، متسائلا: «لا تريد أن تفقد الوعي خلف المقود وأنت تقود بسرعة 200 ميل في الساعة». ووصف لاندو نوريس الأجواء بأنها «خطيرة جدا»، بينما أجمع عدد كبير من السائقين على أنه أقسى سباق بدني في مسيرتهم.
وسارع الاتحاد الدولي للسيارات (فيا) إلى إعلان فتح مراجعة رسمية للسباق، مؤكدا في بيان أنه «يلاحظ بقلق» تأثير الحرارة والرطوبة الشديدتين على سلامة السائقين، ومشددا على أنه «لا ينبغي مطالبة الرياضيين، مهما بلغت نخبويتهم، بالمنافسة في ظروف قد تعرض صحتهم وسلامتهم للخطر». وأعلن الاتحاد العمل مع إدارة الفورمولا 1 لتفادي تكرار المشهد.
وعلى الصعيد الرياضي، هيمن الهولندي ماكس فرستابن على السباق محققا فوزه الرابع عشر في الموسم، بينما سجل فريق مكلارين رقما قياسيا عالميا جديدا لأسرع توقف صيانة بزمن 1.80 ثانية. لكن الأرقام الرياضية طغت عليها صور المعاناة الإنسانية التي تناقلتها وسائل الإعلام العالمية.
وكانت النتيجة العملية الأهم نقل نسخة 2024 من السباق إلى شهر ديسمبر الأكثر برودة، في اعتراف ضمني بأن إقامة سباق فورمولا 1 في صحراء الخليج في أكتوبر مقامرة مناخية. وبقيت جائزة قطر 2023 درسا قاسيا في حدود قدرة البشر على التحمل، حتى لو كانوا نخبة سائقي العالم.