تحوّل المنتخب السعودي إلى ساحة معركة جانبية في الحرب المستعرة بين جماهير الهلال والنصر، حتى باتت فترة التوقف الدولي التي يفترض أن توحد الجماهير خلف «الأخضر» مناسبة لتصفية الحسابات بين المعسكرين، كلٌّ يسعى لإثبات أن لاعبي النادي المنافس هم سبب كل إخفاقات المنتخب. هذا ما خلص إليه تقرير موسع نشره موقع سفن إم سبورت أواخر سبتمبر 2026 بعنوان لافت: «أنقذوا المنتخب السعودي من جماهير الهلال والنصر».
وكان أحدث ضحايا هذه الحرب المهاجم عبد الله الحمدان، مهاجم النصر الحالي الذي انتقل إليه من الغريم التقليدي الهلال في فبراير الماضي. فقد قدم الحمدان واحداً من أسوأ عروضه خلال الفوز 1-0 على الكويت في افتتاح «خليجي 27»، إذ اتخذ كل القرارات الخاطئة أمام المرمى، ليستبدله المدرب اليوناني جورجيوس دونيس وسط صيحات استهجان الجماهير. وما كان غير عادي، بحسب التقرير، هو الهجوم الشرس الذي تعرض له اللاعب بعد المباراة من جماهير وإعلاميين محسوبين على الهلال، في محاولة لتحطيمه معنوياً وتحويل مباراة سيئة واحدة إلى حكم على مسيرته الدولية بأكملها.
أما الضحية الأكبر، فيرى التقرير، فهو سالم الدوسري، قائد الهلال والمنتخب، الذي تعرض خلال الأشهر الماضية لحملات سخرية وتهجم وصلت أحياناً إلى التشكيك في مكانته كنجم أول للكرة السعودية. ورغم أن الدوسري كان أفضل لاعبي السعودية في كأس العرب 2025 بقطر (هدف و6 تمريرات حاسمة كأفضل صانع لعب في البطولة)، فإن الانتقادات طالته بسبب مغادرته معسكر المنتخب في مارس الماضي وتراجع مستواه في كأس العالم 2026، وحُمّل وحده وزر العقم الهجومي الذي عانى منه الأخضر في المونديال.
ويلخص التقرير المفارقة بمرارة: مشجع الهلال الذي يرى في الحمدان أصل الأزمة الهجومية هو نفسه الذي كان يطالب بإشراكه أساسياً قبل أشهر عندما كان يجلس احتياطياً في ناديه، ومشجع النصر الذي يصف الدوسري بالمنتهي ويطالب بدعمه نواف العقيدي والحمدان لمجرد ارتدائهما قميص ناديه في صفوف المنتخب. وختم التقرير باستعارة من الشاعر العباس بن الأحنف قبل اثني عشر قرناً: «كلٌّ يدّعي وصلاً بليلى، وليلى لا تقرّ لهم بذاك» — فالجميع يدّعي حب المنتخب السعودي، ولو نطق الأخضر لقال: «أنقذوني من جماهير الهلال والنصر».
وتكشف هذه الظاهرة عن أزمة أعمق في الثقافة الكروية السعودية، حيث طغت العصبية النادوية على الانتماء الوطني، حتى بات اللاعبون الدوليون ضحايا لحسابات جماهيرية لا ترحم، في وقت يحتاج فيه المنتخب إلى كل دعم ممكن استعداداً للاستحقاقات المقبلة.
يُعد سالم الدوسري، قائد الهلال والمنتخب السعودي، أحد أفضل اللاعبين في تاريخ الكرة السعودية الحديثة؛ فـ«التورنيدو» كما يلقبه الجمهور كان نجم الأخضر الأول في كأس العرب 2025 بقطر، مسجلاً هدفاً وصانعاً ستة أهداف كأفضل ممرر في البطولة. لكن الأشهر الأخيرة شهدت انقلاباً غريباً في المزاج الجماهيري تجاهه؛ فبعد مغادرته معسكر المنتخب في فترة التوقف الدولية في مارس الماضي، ثم تراجع مستواه في كأس العالم 2026، تحوّل إلى هدف مفضل لحملات السخرية والتشكيك، وحُمّل وحده وزر العقم الهجومي للمنتخب في المونديال.
وعلى الضفة الأخرى يقف عبد الله الحمدان، المهاجم الذي عاش مفارقة قاسية؛ فبعد سنوات في الهلال انتقل إلى الغريم النصر في فبراير الماضي، ليجد نفسه بين نارين: جماهير ناديه السابق التي انقلبت عليه، وجماهير ناديه الجديد التي تنتظر منه الكثير. وكانت مباراة الكويت في افتتاح «خليجي 27» (فوز السعودية 1-0) كابوساً شخصياً له؛ إذ أضاع كل شيء أمام المرمى، ليستبدله المدرب جورجيوس دونيس وسط صيحات الاستهجان، ثم يتعرض بعد المباراة لهجوم شرس من إعلاميين محسوبين على الهلال حوّلوا مباراة سيئة واحدة إلى حكم نهائي على مسيرته الدولية.
ويرصد تقرير موقع سفن إم سبورت المفارقة بمرارة: مشجع الهلال الذي يرى في الحمدان أصل الأزمة الهجومية هو نفسه الذي كان يطالب بإشراكه أساسياً قبل أشهر عندما كان حبيس دكة البدلاء في ناديه، ومشجع النصر الذي يصف الدوسري بالمنتهي ويطالب بدعم نواف العقيدي والحمدان لمجرد ارتدائهما قميص ناديه. فالمعيار لم يعد الأداء، بل لون القميص.
وتكشف هذه الظاهرة عن أزمة بنيوية في الثقافة الكروية السعودية؛ فالعصبية النادوية التي كانت وقوداً للمنافسات المحلية تحولت إلى معول هدم للمنتخب الوطني، حتى بات اللاعبون الدوليون يخشون ارتداء قميص الأخضر خوفاً من أن تتحول أي هفوة إلى حملة اغتيال معنوي. وختم التقرير باستعارة من الشاعر العباس بن الأحنف: «كلٌّ يدّعي وصلاً بليلى، وليلى لا تقرّ لهم بذاك» — فالجميع يدّعي حب المنتخب، ولو نطق الأخضر لقال: «أنقذوني من جماهير الهلال والنصر».
ولا تُعد العصبية بين الهلال والنصر ظاهرة جديدة؛ فديربي الرياض يُصنف بين أكثر الديربيات حدة في المنطقة العربية، بتاريخ طويل من المنافسة الشرسة داخل الملعب وخارجه. لكن الجديد — كما يرصد تقرير سفن إم سبورت — هو انتقال هذه العصبية من المدرجات إلى المنتخب الوطني نفسه، حتى بات اللاعب الدولي يُحاكم بمعيار انتمائه النادوي لا بأدائه بقميص الوطن. وهي ظاهرة يرى فيها كثيرون خطراً وجودياً على مستقبل «الأخضر».
وتكشف حالتا الدوسري والحمدان عن آلية ماكرة لهذه الحرب؛ فالدوسري الذي كان بطل كأس العرب 2025 (هدف و6 تمريرات حاسمة) وجد نفسه متهماً بالتقصير بعد أشهر قليلة، والحمدان الذي انتقل من الهلال إلى النصر في فبراير وجد نفسه بين نارين لا ترحمان. والرسالة الضمنية للاعبين الشباب مخيفة: مهما قدمت للمنتخب، ستظل رهينة لحسابات جماهيرية لا تعترف إلا بلون القميص.
ويطرح التقرير سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لمنتخب أن ينافس إقليمياً وقارياً ولاعبوه يخشون ارتداء قميصه؟ فالثقة المهزوزة والخوف من حملات الاغتيال المعنوي بعد أي هفوة، بيئة سامة لا تنتج كرة قدم جميلة. وختم التقرير ببيت العباس بن الأحنف الذي يلخص المأساة: «كلٌّ يدّعي وصلاً بليلى، وليلى لا تقرّ لهم بذاك». فإذا كان الجميع يحب المنتخب حقاً، فليبدأ الحب من احترام من يرتدي قميصه، أياً كان ناديه.
ويحذر خبراء كرة القدم من أن استمرار هذه الظاهرة يهدد مشروع المنتخب السعودي برمته؛ فالاستحقاقات المقبلة — وفي مقدمتها كأس العالم 2034 على الأرض السعودية — تتطلب منتخباً موحداً وجماهير داعمة، لا ساحة حرب أهلية كروية. والمفارقة المؤلمة أن الهلال والنصر معاً يمثلان عماد المنتخب، وأن أي إضعاف لأحدهما هو إضعاف للأخضر نفسه. فهل يعي المشجعون أن هتافهم ضد لاعب المنتخب اليوم قد يكلف الوطن غداً؟ الإجابة تتطلب وقفة جادة من الأندية والإعلام والاتحاد؛ فالوطنية الحقيقية تُمارس في المدرجات قبل أن تُرفع شعاراتها. وإلا فإن «ليلى» — كما قال الشاعر قبل اثني عشر قرناً — ستظل لا تقر لأحد بوصال.