في يناير 2024 أشعل الشيف التركي الشهير نصرت غوكتشه، المعروف بلقب سولت باي، موجة غضب عالمية بعد نشره فاتورة عشاء في مطعمه نصرت بدبي بلغت 398630 درهماً، أي أكثر من 108 آلاف دولار، معلقاً عليها بعبارة: المال يأتي ويذهب.

وضمت الفاتورة التي نشرها الشيف بنفسه على حسابه في إنستغرام أطباقاً مذهبة من توقيعه الشهير، منها شرائح لحم مغطاة بورق الذهب وبقلاوة ذهبية، إلى جانب زجاجات نبيذ فاخرة وكؤوس كونياك نادرة، بينما بلغت الإكرامية وحدها نحو 24 ألف دولار. وكان غوكتشه قد اشتهر عالمياً عام 2017 بحركته المسرحية في رش الملح على اللحم، وبنى عليها إمبراطورية مطاعم تمتد من إسطنبول ودبي إلى لندن والولايات المتحدة.

وانهالت التعليقات الغاضبة على المنشور، ووصف متابعون التفاخر بالفاتورة بأنه مقزز ومستفز في زمن أزمة غلاء عالمية يعجز فيه ملايين البشر عن تأمين الغذاء والسكن. وكتب معلقون أن مبلغاً كهذا يمكن أن يطعم قرية كاملة أو آلاف الأطفال الجائعين، بينما رأى آخرون أن المشكلة ليست في الأسعار ذاتها بل في نشرها والاحتفاء بها علناً.

ولم تكن واقعة دبي الأولى، إذ سبق أن أثار غوكتشه جدلاً مماثلاً في نوفمبر 2022 عندما نشر فاتورة من مطعمه في أبوظبي بلغت 615065 درهماً، بتعليق يقول إن الجودة لا تكون غالية أبداً، وتضمنت أطباق لحم ذهبية ونبيذاً باهظاً، وقوبلت حينها أيضاً بحملة انتقادات واسعة ودعوات للمقاطعة.

في المقابل، دافع مؤيدون عن الشيف معتبرين أن زبائنه من الأثرياء والمشاهير يدفعون طوعاً مقابل تجربة استعراضية يعرفون ثمنها مسبقاً، وأن مطاعم المشاهير في دبي وأبوظبي تبيع المكانة الاجتماعية والاستعراض بقدر ما تبيع الطعام. ويستقبل مطعمه بانتظام نجوماً عالميين، وهو جزء أساسي من صورته التسويقية.

وتجسد فواتير سولت باي الفاخرة وجهاً مثيراً للانقسام في ثقافة الرفاهية بدبي: مدينة تحتفي علناً بالإنفاق الأسطوري وتسوّقه كجزء من علامتها العالمية، وجمهور عالمي متزايد يرى في استعراض هذا الإنفاق انقطاعاً عن واقع الناس. وبين الفاتورتين، لم يعتذر الشيف ولم يتراجع، وبقيت وجباته الذهبية تباع وتتصدر العناوين كل مرة.

ويلاحظ متابعون لاقتصاد الرفاهية أن دبي وأبوظبي أصبحتا مختبراً عالمياً لثقافة الإنفاق الاستعراضي، من القهوة المذهبة إلى سيارات الأجرة الفاخرة والمطاعم التي تباع فيها التجربة بصفتها محتوى قابلاً للنشر قبل أن تكون طعاماً. وفي هذا السياق، لا يعد نشر الفاتورة خطأ تسويقياً من وجهة نظر الشيف، بل هو المنتج نفسه تقريباً: فالضجة، حتى الغاضبة منها، تعيد تدوير الاسم وتجذب زبائن جدداً يريدون أن يكونوا جزءاً من المشهد. لكن النقاش الأخلاقي حول التفاخر بالثروة في زمن الأزمات المعيشية لا يتوقف عند حدود التسويق، وهو ما يفسر لماذا تتجدد العاصفة نفسها مع كل فاتورة جديدة ينشرها الرجل بلا أي تغيير في أسلوبه.

وفي النهاية، لم تؤثر موجات الغضب المتكررة في توسع علامته التجارية أو في إقبال المشاهير والأثرياء على مطاعمه في المنطقة، ما يجعل قصته مثالاً صارخاً على انفصال اقتصاد الاستعراض عن منطق الرأي العام التقليدي في عصر منصات التواصل الاجتماعي والترندات السريعة.