أعلنت مغنية الراب الأميركية نيكي ميناج في يوليو 2019 انسحابها من مهرجان جدة العالمي الذي كان مقررا أن تتصدر نجومه في 18 يوليو، قائلة في بيان لوكالة أسوشيتد برس إنها بعد تثقيف نفسها حول القضايا تؤمن بأهمية إعلان دعمها لحقوق النساء ومجتمع الميم وحرية التعبير، في قرار أشعل عاصفة بين جمهورها السعودي ومنظمات حقوق الإنسان.
وكان إعلان مشاركة ميناج في 3 يوليو مفاجأة بحد ذاته، فالفنانة المعروفة بكلماتها الجريئة وملابسها الصادمة كانت ستغني في بلد لم يكن يسمح فيه للنساء بإحياء حفلات عامة قبل عامين فقط من ذلك التاريخ. وشارك في المهرجان نفسه نجوم آخرون بينهم ستيف أوكي وليام باين، ضمن موجة انفتاح ترفيهي قادتها المملكة لاستقطاب السياحة والاستثمار.
تصاعدت الضغوط بسرعة، إذ طالبت مؤسسة حقوق الإنسان وغيرها الفنانين بإلغاء مشاركتهم احتجاجا على سجل المملكة الحقوقي وقضية الصحفي جمال خاشقجي ومحاكمات ناشطات نسويات. وفي المقابل، عبر معجبون سعوديون عن حماسهم للحفل واشتروا التذاكر، بينما هاجم محافظون على منصات التواصل فكرة استضافة فنانة بأسلوب ميناج أصلا واعتبروها متعارضة مع قيم المجتمع.
وبعد الانسحاب، انقسمت ردود الفعل بشكل حاد، فاحتفت منظمات حقوقية بالقرار باعتباره نموذجا لتأثير ضغط الجمهور على المشاهير، بينما عبر جمهور سعودي واسع عن خيبة أمله وطالب باسترداد قيمة التذاكر. وذهبت بعض وسائل الإعلام السعودية المحلية أبعد من ذلك، زاعمة أن المملكة هي من ألغت الحفل لمخالفته العادات والقيم، في رواية متضاربة مع بيان الفنانة نفسه.
وأقيم المهرجان في موعده بوجوه بديلة، إذ انضم إلى قائمته فنانون عالميون آخرون بينهم جانيت جاكسون وفيفتي سنت وكريس براون، في خطوة اعتبرتها المؤسسات الحقوقية محاولة لإظهار أن الأمور طبيعية مهما كلف الأمر، بينما رأى جمهور الحفل أن مجرد إقامته دليل على تحول اجتماعي حقيقي يعيشه الشباب السعودي.
وكانت تجربة ميناج مختلفة عن تجارب فنانين آخرين قبلو الدعوات السعودية في الفترة نفسها، إذ إن انسحابها العلني المسبب حولها إلى مرجع في كل نقاش لاحق عن مشاركة المشاهير الغربيين في الفعاليات السعودية، من حفلات الغناء إلى مهرجانات الكوميديا والملاكمة، وعن الثمن السمعتي الذي قد يدفعه الفنان مقابل أجور ضخمة.
وما زالت قصة الأيام التسعة بين إعلان الحفل وإلغائه تروى كمثال مبكر على معركة الصورة بين المملكة ومنتقديها، وعلى قوة وسائل التواصل في تحويل قرار فني فردي إلى حدث عالمي يلخص صراع الانفتاح الترفيهي مع ملفات حقوق الإنسان التي لم تغب عن أي فعالية سعودية كبرى منذ ذلك الحين.
وبعد سنوات من تلك الواقعة، أصبحت مشاركة النجوم العالميين في السعودية أمرا شبه اعتيادي، من مغني البوب إلى نجوم الهيب هوب الذين ملوا جداول مهرجانات الرياض وجدة والعلا، ما جعل انسحاب ميناج يبدو أكثر استثنائية بمرور الوقت لا أقل. وربما لهذا السبب تحديدا يحتفظ اسمها بمكانة خاصة في ذاكرة الجدل الثقافي السعودي، فهي النجمة الكبيرة الوحيدة تقريبا التي قالت لا علنا وبالأسباب المعلنة كاملة، بينما اختار معظم أقرانها الصمت أو القبول أو التفاوض بعيدا عن الأضواء.