أحيت النجمة الأميركية ماريا كاري في 31 يناير 2019 حفلا في جدة مرتدية فستانا أسود طويل الأكمام وشعرها مكشوف، لتصبح أول فنانة عالمية كبرى تغني في السعودية، وذلك رغم عرائض وحملات طالبتها بإلغاء الحفل تضامنا مع ناشطات معتقلات، ودفاع فريقها عن الخطوة باعتبارها خطوة إيجابية نحو إنهاء الفصل بين الجنسين.

أقيم الحفل على هامش بطولة غولف دولية في مدينة الملك عبد الله الاقتصادية قرب جدة، وشارك في الأمسية أيضا منسق الأسطوانات تييستو والمغني شون بول، في إطار خطة سعودية معلنة لاستثمار عشرات المليارات في قطاع الترفيه خلال عقد كامل وإعادة فتح دور السينما بعد حظر استمر 35 عاما.

وقبل الحفل بأيام، وجه شقيق الناشطة المعتقلة آنذاك لجين الهذلول رسالة علنية إلى كاري يتمنى فيها أن تطالب من على المسرح بإطلاق سراح شقيقته، بينما أطلقت منظمات نسوية عريضة تتهم الحفل بأنه محاولة لتجميل صورة بلد تعتقل فيه النساء لمطالبتهن بحقوقهن. وانتشرت الدعوات على منصات التواصل مقرونة بذكرى مقتل الصحفي جمال خاشقجي قبل أشهر قليلة.

ورد المتحدثون باسم كاري ببيان قالوا فيه إنها قبلت الدعوة للغناء أمام جمهور دولي مختلط باعتبار ذلك خطوة إيجابية نحو تفكيك الفصل بين الجنسين، وإنها بصفتها أول فنانة عالمية تغني في المملكة تدرك الأهمية الثقافية للحدث وستواصل دعم جهود المساواة العالمية. ولم تشر الفنانة خلال الحفل نفسه إلى قضية الناشطات بحسب التقارير المتاحة.

وتباينت ردود فعل الجمهور السعودي بين متحمس رأى في الحفل دليلا ملموسا على أن بلاده تتغير وأن شبابها لم يعد مضطرا للسفر لحضور حفلات عالمية، ومنتقد رأى أن استضافة النجوم الأجانب بأجور ضخمة تأتي بينما ملفات داخلية كثيرة لم تحسم. أما الإعلام الغربي فانشغل بصورة فنانة تغني بشعر مكشوف أمام جمهور مختلط في بلد كان يمنع الحفلات العامة للنساء قبل ذلك بفترة قصيرة.

وجاء حفل كاري ضمن سلسلة عروض غربية في تلك الأشهر لفنانين مثل إنريكي إغليسياس وديفيد غيتا وون ريبابليك، رسمت ملامح مرحلة جديدة أصبحت فيها السعودية محطة رئيسية في جولات النجوم العالميين، وأصبح فيها كل حفل كبير مادة لمعركة إعلامية بين سردية الانفتاح وسردية التبييض.

وبعد سنوات، ما زال حفل جدة يذكر كنقطة تحول رمزية، لأنه أثبت أن أسماء الصف الأول في الغناء الغربي مستعدة للمجيء إلى السعودية رغم الحملات، وفتح الباب أمام ما هو أكبر بكثير لاحقا من مهرجانات موسيقية ضخمة في العلا والرياض، بينما بقي السؤال الأخلاقي نفسه معلقا فوق كل مسرح جديد يبنى في المملكة.

ويلفت مؤرخون اجتماعيون إلى أن أهمية حفل ماريا كاري لم تكن في أغانيه بل في صورته، فمشهد نجمة عالمية تغني بشعر مكشوف أمام جمهور مختلط في جدة كان إعلانا بصريا واحدا يختصر تحولا استغرق عقودا من الجدل الديني والاجتماعي داخل المملكة. ولهذا التقطته وسائل الإعلام العالمية بكل لغاتها، وحفظته الأرشيفات كنقطة فاصلة بين سعوديتين، واحدة كانت تمنع الحفلات وأخرى باتت تتسابق على استضافة أكبر نجومها، مهما استمر الجدل الأخلاقي حول ثمن هذا التحول وشروطه.