وصل فيلم «محارب الصحراء» من بطولة أنتوني ماكي وبن كينغسلي إلى عرضه الأول في مهرجان زيورخ السينمائي في سبتمبر 2025 بعد نحو أربع سنوات من تصويره في صحراء نيوم بميزانية قدرت بنحو 150 مليون دولار، وسط تقارير عن خلافات إبداعية حادة غادر بسببها المخرج روبرت وايت المشروع مؤقتا، قبل أن يتحول عند طرحه التجاري إلى أحد أكبر إخفاقات شباك التذاكر.

تدور أحداث الفيلم في جزيرة العرب في القرن السابع قبل الإسلام، حيث ترفض الأميرة هند أن تصبح خليلة للإمبراطور كسرى فتهرب إلى الصحراء وتتحالف مع قاطع طريق غامض لتوحيد القبائل المتحاربة ضد جيشه. وأنتجته MBC Studios السعودية بالشراكة مع منتجين أميركيين، وقدم باعتباره أول فيلم ملحمي ضخم على الطراز الهوليوودي يصور بالكامل تقريبا في السعودية ويدشن صناعة سينمائية محلية عالمية الطموح.

لكن التصوير في أواخر 2021 جرى في موقع لم تكتمل بنيته الإنتاجية بعد، إذ قال مطلعون إن فريق العمل اضطر لبناء استوديو مؤقت في موقف فندق لأن منشآت نيوم ميديا لم تكن جاهزة، وإن جزءا كبيرا من الميزانية أنفق فعليا على بناء البنية التحتية لصناعة كاملة لا على ما يظهر على الشاشة وحده، وهي كلفة لا تتحملها عادة ميزانية فيلم واحد.

ثم جاءت المعركة الأطول في غرفة المونتاج، إذ اختلف وايت مع الممولين حول هوية الفيلم بين ملحمة قتالية صريحة وعمل أكثر تأملا وتعمقا، فغادر المشروع ثم عاد لاحقا ليستكمل نسخته بعد اتفاق على استعادة السيطرة الإبداعية، وتوالت عمليات إعادة التصوير والقص لسنوات جعلت الفيلم مادة للسخرية الحذرة داخل الصناعة قبل أن يرى النور أصلا.

وعند العرض، جاءت المراجعات النقدية قاسية في معظمها، وتحدثت تقارير اقتصادية عن افتتاحية شباك هزيلة جدا مقارنة بميزانية الإنتاج، ليصنف ضمن أكبر الخسائر السينمائية نسبة إلى كلفته. ودافع آخرون بأن الحكم على تجربة تأسيس صناعة كاملة بفيلمها الأول قاس، وأن البنية والكوادر التي بنيت خلال الإنتاج ستبقى أصولا لمشاريع لاحقة حتى لو خسر الفيلم نفسه.

وتحمل قصة الفيلم دروسا تتجاوز السعودية إلى كل دولة تحاول شراء صناعة سينمائية جاهزة بالمال وحده، إذ إن الكاميرات والاستوديوهات تشترى بسرعة، أما الخبرة التراكمية في إدارة الإنتاج الضخم وحسم الخلافات الإبداعية وإيصال الفيلم إلى جمهوره في موعده فتبنى ببطء وعبر أخطاء مكلفة كهذا الخطأ بالذات.

وما زال «محارب الصحراء» يذكر في تقارير الصناعة باعتباره التحذير الأشهر من تضخم الميزانيات التأسيسية، وفيلما أراد أن يعلن ميلاد هوليوود عربية فأصبح بدلا من ذلك مرآة لكل ما يمكن أن يتعثر حين يلتقي طموح دولة ثرية بتعقيدات صناعة لم ترحم حتى استوديوهات هوليوود العريقة نفسها.

ورغم الخسارة، لم تتراجع السعودية عن رهانها السينمائي، إذ واصلت استقطاب إنتاجات دولية إلى العلا ونيوم بحوافز سخية وبناء استوديوهات جديدة وتدريب كوادر محلية، على أمل أن تكون دروس الفيلم الأول جزءا من منحنى تعلم لا نهاية مشروع. ويراهن مسؤولون ثقافيون على أن الحكم النهائي على التجربة سيصدر بعد جيل من الأفلام لا بعد فيلم واحد، بينما يتمسك نقاد التجربة بأن البداية الخاطئة المكلفة كان يمكن تجنبها لو سمعت أصوات الخبرة مبكرا قبل أن تتضخم الميزانية والطموحات معا.