أثار الفنان السعودي عبد المحيد الرهيدي جدلاً واسعاً بتصريحات عن وجود جميع الأعراق الإسلامية في مكة منذ عهد النبي، ما قسم رواد التواصل بين مؤيد يرى كلامه موثقاً تاريخياً ومعارض طالب بمحاكمته بتهمة «الكذب وتزوير الحقائق».
وقال الرهيدي، في مقطع فيديو متداول: «الآن نحن في عام 2020 ومكة الآن فيها جميع الأعراق: الأفريقي والهندي والتركي، من أيام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ومن قبله»، في إشارة إلى التنوع البشري الذي عرفته المدينة المقدسة عبر تاريخها الطويل كملتقى للحجاج والمعتمرين من كل أنحاء العالم.
وانقسم رواد مواقع التواصل الاجتماعي بين مؤيد ومعارض لحديث الفنان السعودي؛ إذ اعتبر عدد منهم كلامه «كذباً وتزويراً للحقائق»، مطالبين بمحاكمته واللجوء إلى القضاء ضده. وكتب أحدهم: «هذا اسمه كذب وتهريج، ولم يذكر التاريخ مثل ما تفضل به هذا المهرج»، فيما كتبت أخرى: «مكة كانت تسكنها القبائل العربية فقط، أما العرق غير العربي فكانوا عبيداً لا يملكون من أمرهم شيئاً».
في المقابل، عبر نشطاء آخرون عن تأييدهم لحديث الرهيدي، مؤكدين أن ما قاله موثق تاريخياً ولا يمكن إنكاره، وأن مكة عرفت عبر العصور تنوعاً بشرياً واسعاً بحكم موقعها الديني والتجاري. وكتب أحدهم: «العرق الهندي والفارسي والأفريقي والأوروبي وغيرهم كانوا موجودين فعلاً»، فيما علق آخر: «كلامه صح 100%».
وأعاد الجدل إلى الواجهة النقاش الأوسع حول الهوية والتاريخ في المنطقة، وكيف تتحول تصريحات فنية عابرة إلى سجالات حادة حول قراءة الماضي، في ظل حساسية متزايدة تجاه قضايا الهوية والانتماء على منصات التواصل الاجتماعي.
وعُرفت مكة المكرمة عبر العصور بكونها ملتقى للحجاج والتجار من كل أنحاء العالم الإسلامي، واستقر فيها عبر القرون أجناس وأعراق متعددة، ما جعل التنوع البشري سمة تاريخية أصيلة للمدينة المقدسة.
ويأتي الجدل في سياق نقاشات محتدمة حول الهوية في الحجاز، بين من يؤكد على الطابع العربي الأصيل للمنطقة، ومن يبرز طابعها التاريخي المنفتح كمدينة حج عالمية استقبلت البشر من كل حدب وصوب.
وأعادت الواقعة طرح سؤال حدود تدخل الفنانين في القضايا التاريخية وقضايا الهوية، ومدى تقبل الجمهور لآراء المشاهير خارج مجال تخصصهم الفني، في زمن باتت فيه كل عبارة مادة للسجال العام.
ويعمل عبد المحيد الرهيدي في المجال الفني منذ سنوات، واشتهر بأدوار ومشاركات تلفزيونية، لكن اسمه لم يكن معروفاً على نطاق واسع قبل هذه الواقعة التي قذفت به إلى واجهة الترند. وتفاعل مثقفون وكتاب مع الجدل، بين من دافع عن حق الفنان في إبداء رأيه في قضية تاريخية، ومن رأى أن الخوض في قضايا الهوية والتاريخ يتطلب دقة وتخصصاً لا يملكهما كل متحدث. وبقيت الواقعة شاهداً على قدرة منصات التواصل على تحويل تصريح عابر إلى معركة رأي عام تستمر لأيام.
وفي النهاية، تذكرنا هذه الواقعة بأن التاريخ — خصوصاً في مدينة كمكة — ليس ملكاً لرواية واحدة، وأن النقاش حوله صحي ومطلوب، شرط أن يُدار بالحجة والدليل لا بالتراشق والاتهامات. أما الفنان، فقد نال شهرة لم يحلم بها، وإن كانت من باب الجدل لا الفن.