أعلنت شركة «مدل بيست» المنظمة لمهرجان «ساوندستورم» الموسيقي إلغاء نسخة هذا العام من المهرجان، الذي كان مقرراً إقامته في أراضي بنبان بالرياض يومي 3 و4 ديسمبر، وذلك في بيان مقتضب نشرته على إنستغرام مطلع أكتوبر 2026. ولم تذكر الشركة أي سبب للإلغاء، مكتفية بالقول: «يؤسفنا أن نسخة هذا العام من ساوندستورم لن تُقام كما كان مخططاً لها... سنوجّه كل حماسنا وطاقتنا إلى نسخة 2027 ونعود أقوى وأفضل».

وكان المهرجان، الذي يُوصف بأنه «ريف صحراوي بحجم مدينة»، قد طرح تذاكره بالفعل قبل الإعلان، وتلقى حاملو التذاكر رسائل بالبريد الإلكتروني حول الإلغاء. ولم يُعلن عن قائمة فناني نسخة هذا العام قبل إلغائها، علماً أن المهرجان استقطب في نسخه السابقة أسماء عالمية كبيرة ورسّخ مكانته كأحد أكبر المهرجانات الموسيقية في المنطقة.

ويأتي إلغاء «ساوندستورم» ضمن موجة إلغاءات تضرب قطاع الترفيه السعودي هذا العام، إذ سبقه إعلان إلغاء حفل «جوي أووردز» السنوي، وتأجيل مهرجان البحر الأحمر السينمائي إلى 2027. ويربط مراقبون هذه القرارات بالضغوط المالية التي يواجهها القطاع وبإعادة الرياض ترتيب أولويات الإنفاق في ظل الحرب الدائرة مع إيران، التي أجبرت دول الخليج على مراجعة حساباتها.

وتثير هذه التطورات قلقاً في الأوساط الفنية حول مستقبل الطفرة الموسيقية التي شهدتها المملكة، والتي تحوّلت خلال سنوات من بلد تُحظر فيه الحفلات الموسيقية المختلطة إلى وجهة إقليمية كبرى للمهرجانات. فقد كان «ساوندستورم» رمزاً لهذا التحول، إذ جمع عشرات الآلاف من الجماهير في قلب الصحراء، وأصبح محطة ثابتة في روزنامة عشاق الموسيقى الإلكترونية عالمياً.

في المقابل، تحاول «مدل بيست» طمأنة جمهورها بالتأكيد على أن الإلغاء مؤقت وأن نسخة 2027 ستكون استثنائية. لكن الأسئلة تبقى مفتوحة حول ما إذا كانت هذه الإلغاءات مجرد «استراحة محارب» فرضتها الظروف، أم بداية تراجع أوسع عن الرهان الترفيهي الضخم الذي قادته المملكة ضمن رؤية 2030.

انطلق «ساوندستورم» عام 2019 كأول مهرجان موسيقي ضخم من نوعه في المملكة، وسرعان ما تحوّل إلى ظاهرة ثقافية؛ إذ جمع عشرات الآلاف من الشباب السعودي والخليجي في قلب الصحراء على مدى ليالٍ من الموسيقى الإلكترونية والهيب هوب، مستقطباً أسماء عالمية من الصف الأول. وكان المهرجان، الذي تنظمه «مدل بيست»، رمزاً ملموساً للتحول الاجتماعي الذي شهدته السعودية، من بلد تُحظر فيه الحفلات المختلطة إلى وجهة إقليمية للمهرجانات الموسيقية الكبرى.

وجاء إعلان الإلغاء عبر بيان مقتضب على إنستغرام من دون أي تفسير، وهو ما فتح الباب واسعاً أمام التكهنات. فالمنظمون لم يتحدثوا عن أسباب لوجستية أو فنية، بل اكتفوا بالتعبير عن الأسف والوعد بنسخة 2027 «أقوى وأفضل». وكان حاملو التذاكر قد تلقوا رسائل بالبريد الإلكتروني حول الإلغاء، في وقت لم تكن قائمة فناني هذا العام قد أُعلنت بعد، ما يشير إلى أن القرار اتُخذ قبل اكتمال التحضيرات الفنية.

ويربط مراقبون بين الإلغاء وموجة التقشف التي تضرب قطاع الترفيه السعودي؛ فخلال أسابيع قليلة أُلغي حفل «جوي أووردز» السنوي وأُجّل مهرجان البحر الأحمر السينمائي إلى 2027، وسط تقارير عن تخفيضات واسعة في ميزانيات الثقافة والترفيه وتداعيات الحرب الدائرة مع إيران على أولويات الإنفاق الحكومي. ويرى هؤلاء أن «ساوندستورم» لم يكن ليُضحَّى به لولا ضغوط مالية حقيقية، نظراً لمكانته كأيقونة التحول الترفيهي في المملكة.

أما جمهور المهرجان، الذي اعتاد تحويل ديسمبر إلى موعد سنوي ثابت، فيعيش حالة من خيبة الأمل الممزوجة بالترقب؛ فالوعد بعودة 2027 يبقي الأمل قائماً، لكن الأسئلة تتراكم: هل ستكون العودة بالزخم نفسه؟ وهل ستستمر المملكة في رهانها على المهرجانات الضخمة كأداة للقوة الناعمة؟ الإجابة ستتحدد ليس فقط بقرارات «مدل بيست»، بل بقدرة الرياض على الموازنة بين طموحاتها الترفيهية وواقعها المالي الجديد.

وتُعد «مدل بيست» نفسها قصة نجاح سعودية لافتة؛ فالشركة التي انطلقت لتنظيم المهرجانات الموسيقية الكبرى أصبحت خلال سنوات اسماً إقليمياً معروفاً، ولعبت دوراً محورياً في فتح الباب أمام صناعة الترفيه الموسيقي في المملكة، من استقطاب النجوم العالميين إلى بناء كوادر محلية في التنظيم والإنتاج. لذا فإن إعلانها إلغاء نسخة هذا العام لم يُقرأ كقرار تشغيلي عابر، بل كمؤشر على حجم الضغوط التي تواجهها حتى أنجح شركات القطاع.

وبالنسبة لحاملي التذاكر، اكتفى المنظمون بإرسال رسائل بالبريد الإلكتروني حول الإلغاء، من دون إعلان تفاصيل عن آليات التعويض أو الاسترداد في البيان العلني، ما أثار تساؤلات بين الجمهور حول حقوقهم. وكان المهرجان قد طرح تذاكره بالفعل قبل الإعلان، في وقت لم تكن قائمة الفنانين قد كُشف عنها، ما يشير إلى أن القرار اتُخذ في مرحلة مبكرة من التحضيرات.

ويبقى الرهان الآن على وعد العودة في 2027 «أقوى وأفضل»؛ فالجمهور السعودي والخليجي الذي تربى على «ساوندستورم» كطقس سنوي لن يتخلى بسهولة عن مهرجانه المفضل، لكن الثقة تحتاج إلى أكثر من الوعود. فإذا عاد المهرجان بقائمة فنانين استثنائية وتنظيم محكم، فسيكون الإلغاء مجرد «استراحة محارب». أما إذا طال الغياب أو تكررت الإلغاءات، فقد يتحول الرمز إلى ذكرى، ويخسر المشهد الموسيقي السعودي أهم منصاته.

ويضع إلغاء «ساوندستورم» صناعة الموسيقى السعودية أمام مفترق طرق؛ فالسنوات الماضية شهدت ولادة مشهد موسيقي محلي نابض — من الدي جي السعوديين إلى شركات الإنتاج الناشئة — اعتمد بشكل كبير على المهرجانات الكبرى كمنصات انطلاق. واستمرار الإلغاءات قد يدفع هذه المواهب للبحث عن منصات خارجية، في نزيف معاكس لطموحات التوطين الثقافي. ويرى متفائلون أن الأزمة قد تكون فرصة لإعادة هيكلة القطاع نحو نماذج أعمال أكثر استدامة وأقل اعتماداً على الدعم، بينما يحذر آخرون من أن كسر زخم سنوات قد لا يُعوَّض بسهولة. فالموسيقى، كأي صناعة إبداعية، تعيش على الاستمرارية — والتوقف الطويل يقتل الحماس قبل أن يقتل الأعمال.

ويأتي إلغاء «ساوندستورم» في وقت تشتد فيه المنافسة الإقليمية على استضافة المهرجانات الموسيقية الكبرى؛ فعواصم خليجية مجاورة تستثمر بسخاء في فعالياتها الترفيهية، وأي تراجع سعودي قد يمنح المنافسين فرصة لخطف الأضواء والجماهير. ويرى خبراء السياحة الترفيهية أن المهرجانات الكبرى ليست مجرد حفلات، بل محركات اقتصادية تشغل الفنادق والمطاعم وشركات الطيران، وخسارة نسخة كاملة تعني خسارة ملايين الريالات من الإنفاق المصاحب. لذا فإن قرار الإلغاء — مهما كانت مبرراته — يحمل كلفة اقتصادية تتجاوز التذاكر إلى منظومة كاملة كانت تعتمد على المهرجان. وستبقى أنظار عشاق الموسيقى في المنطقة معلقة بوعد 2027، على أمل أن تعود ليالي الصحراء الصاخبة أقوى مما كانت.